رسالة النجف

قرشيات: اتهام النبي(ص)بالقسوة

 

قرشيات  ... اتهام النبي (ص) بالقسوة

الشيخ علي كوراني1

     لقد عرف القاصي والداني عظمة أخلاق النبي (صلى الله عليه وآله) ولين جانبه، وإنسانيته الشفّافة وعطفه على كل الناس، حتى إن أعداءه طمعوا بعفوه وكرمه.. وقرأ المسلمون قوله تعالى عن نبيه (صلى الله عليه وآله): {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأمر فإذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ}([i]).

وقوله تعالى: {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ}([ii]).

في مقابل هذه الإنسانية الرفيعة، تفاجئك صورٌ منفِّرةٌ رسمتها مخيلة بعض الصحابة عن النبي (صلى الله عليه وآله) فتُظهره تارة بأن عينَه لا تدمع على أحد! وأخرى بأنه يعذِّب بدقِّ المسامير بالأيدي إلى الحائط، ويسمل عيون آخرين بمسامير الحديد المحمّاة، ويقطع أيديهم وأرجلهم، ويمنع عنهم الماء ويتركهم ينزفون حتى يموتوا،، ثم يحرقهم بالنار!!

وسنعرض في ما يلي جانبًا من النصوص التي تُظهر هذه الصورة، وسيتبين لك أن الكتب التي تناقلتها تنظر إليها بعين الرضا وتُصرّ على تثبيتها وتأييدها، ولا تأبه لما تسبّبه من تشويهٍ في الصورة الحقيقية للنبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) التي يصفه بها القرآن الكريم فضلاً عن النصوص المتضافرة التي زخرت بها هذه الكتب وسائر كتب السيرة.

بل إن هؤلاء تغافلوا أحيانًا عن النصوص المعارضة التي تتحدّث عن الوقائع نفسها والتي تتضمن تنزيهًا للنبي (صلى الله عليه وآله) وشهادة بنفي ما نسب إليه، بل إنهم ردّوا ما ورد عن أهل البيت الصادقين (عليهم السلام) من تكذيبٍ لبعض رواة هذه النصوص وكشف كون هذا الافتراء على النبي (صلى الله عليه وآله) إنما هو لتبرير قسوة الأمراء من حكّام قريش.

وقد سمّينا هذا النوع من الروايات التي تشوّه صورة النبي (صلى الله عليه وآله) وتطعن في عصمته: (القرشيات)، التي تتعاون مع (الإسرائيليات) في هذا الأمر.

صوّروا النبي (صلى الله عليه وآله) بأنه قاسي القلب!

قالت عائشة كما في مسند أحمد:6/141: (ثم دعا سعد (بن معاذ) قال: اللهم إن كنت أبقيتَ على نبيك (ص) من حربِ قريش شيئًا فأبقني لها، وإن كنت قطعت الحرب بينه وبينهم فاقبضني إليك. قالت فانفجر كَلْمُهُ (جرحه) وكان قد برئ حتى ما يُرى منه إلا مثل الخرص، ورجع إلى قبّته التي ضرب عليه رسول الله (ص). قالت عائشة: فحضره رسول الله (ص) وأبو بكر وعمر، قالت: فوالذي نفس محمد بيده إني لأعرف بكاء عمر من بكاء أبي بكر وأنا في حجرتي، وكانوا كما قال الله عز وجل رحماء بينهم!

قال علقمة: قلت أي أمَّهْ، فكيف كان رسول الله (ص) يصنع؟ قالت: كانت عينه لا تدمع على أحد! ولكنه كان إذا وَجَدَ فإنما هو آخذ بلحيته)!!

قال في مجمع الزوائد:6/13: (قلت في الصحيح بعضه، رواه أحمد، وفيه محمد بن عمرو بن علقمة وهو حسن الحديث، وبقية رجاله ثقات ). انتهى!

ويظهر من كلام عائشة أن أبا بكر وعمر أكثر رقةً وإنسانيةً من النبي (صلى الله عليه وآله) فقد كانا يبكيان وينتحبان على سعد بن معاذ، عندما كان يحتضر في خيمته في المسجد، أما النبي (صلى الله عليه وآله) فلم يكن يبكي على أحد.

كيف نصدّقهم في أن النبي (صلى الله عليه وآله) كان قاسي القلب؟!

معاذ الله، وحاشا رسول الله (صلى الله عليه وآله)! وكيف يصدّق عاقل أن النبي العطوف الرحيم (صلى الله عليه وآله) كان بهذه الصفة، وقد روى الصحابة بكاءه في مناسبات عديدة.

ففي البخاري:8/186: (فلما دخلنا ناولوا رسول الله (ص) الصبي ونفسه تقلقل في صدره، حسبته قال كأنها شِنَّة، فبكى رسول الله (ص)، فقال سعد بن عبادة: أتبكي؟ فقال: إنما يرحم الله من عباده الرحماء ).

وفي البخاري:2/85: (فلما رأى القوم بكاء النبي بكوا).

وفي مسلم:7/76: (فدمعت عينا رسول الله فقال: تدمع العين ويحزن القلب ولا نقول إلا ما يرضى ربنا، والله يا إبراهيم إنا بك لمحزونون). انتهى.

وكيف نصدّق أن عمر كان أرقّ منه؟! وغلظته وشدّته مضرب المثل! وهو الذي كان ينهى عن البكاء على الميت، ويضرب عليه بالسياط؟!

إن هذه الرواية وأمثالها في مصادر المسلمين تشوّه شخصية النبي (صلى الله عليه وآله) الذي استطاع بتعاليم ربّه أن يُطلق من منطقة الجزيرة القاحلة القاسية أعظم مدّ حضاريّ إنساني وأرحمه بالبشرية، وأقلّه كلفة على الإطلاق حيث لم يتجاوز مجموع الذين قُتلوا في معاركه من الطرفين ستمائة شخص!

بينما بلغت خسائر المسلمين في حرب الجمل وحدها التي سببتها عائشة صاحبة هذه المقولة في تمرُّدها مع طلحة والزبير على الخليفة الشرعي، عشرين ألف قتيل!!

ماذا قالوا في آية العقوبة والمحاربة ؟

إذا رجعت في مصادرهم الفقهية إلى بحث نهي النبي (صلى الله عليه وآله) عن المُثلة، أو إلى تفسير قوله تعالى: {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ}([iii])، أو تفسير قوله تعالى: {إنما جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأرض فسادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أيديهم وأرجلهم مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الأرض ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ}([iv])، اقشعرَّ بدنك مما ينسبونه إلى النبي (صلى الله عليه وآله) من القتل والتمثيل بالناس!! مخالفين بذلك ما رَوَوه ورويناه من أن النبي (صلى الله عليه وآله) عندما رأى تمثيل قريش وآل أبي سفيان بجثّة عمّه حمزة في أُحد، وأخبروه أن هندًا أمّ معاوية أخذت قطعة من كبده ولاكَتها فلم تستطع مضغها فلفظتها! قال (صلى الله عليه وآله) إنه سيقتصّ بالتمثيل بهم، فنزل قوله تعالى: {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ}([v]). فقال النبي (صلى الله عليه وآله): أَصْبِر أَصْبِر. ونهى المسلمين عن المُثلة حتى بالكلب العَقور!

ففي مجمع الزوائد:6/120: (أحزنه ما رأى به فقال: لئن ظفرت بهم لأمثِّلَنَّ بثلاثين رجلاً منهم، فأنزل الله عز وجل في ذلك: {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ}, إلى قوله: {يمكرون...} ولما نزل القرآن عفا رسول الله (ص) وتجاوز، وترك المُثل). انتهى.

وفي نهج البلاغة:3/77: (يا بني عبد المطلب لا ألفينّكم تخوضون دماء المسلمين خوضًا تقولون قتل أمير المؤمنين، ألا لا تقتلنّ بي إلا قاتلي، انظروا إذا أنا متُّ من ضربته هذه فاضربوه ضربةً بضربة، ولا يُمَثَّل بالرجل فإني سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: إياكم والمثلة ولو بالكلب العقور).انتهى.

لكنَّ رواة السلطة مع ذلك، نسبوا إلى النبي (صلى الله عليه وآله) أنه بعد يوم أحد بثلاث سنوات قتل أشخاصًا ومثَّل بهم، وسَمَلَ أعينهم! أي فقأها بمسامير محمّاة، وتركهم عطاشى حتى ماتوا، بل رَوَوا أنه أحرقهم بالنار!! وأن ذلك كان في السنة السادسة للهجرة، أي بعد معركة أُحد بثلاث سنوات! ([vi]).

وقد ارتكب كل فقهائهم نسبة هذه التهمة إلى النبي (صلى الله عليه وآله) مع الأسف! وحجّتهم أن البخاري وغيره رووها عن رواة موثوقين!

قال البخاري في صحيحه:1/64: (عن أنس قال: قدم أناس من عكل أو عرينة فاجتَوَوُا المدينة، فأمر لهم النبي (ص) بلقاح، وأن يشربوا من أبوالها وألبانها، فانطلقوا، فلما صحُّوا قتلوا راعي النبي (ص) واستاقوا النّعم، فجاء الخبر في أول النهار فبعث في آثارهم، فلما ارتفع النهار جيء بهم فقَطَعَ أيديهم وأرجلهم وسُمِّرتْ أعينهم، وأُلقوا في الحرة، يستسقون فلا يسقوْن).

وقال البخاري في:5/70: (فأمر بهم فسمروا أعينهم وقطعوا أيديهم وأرجلهم وتركوا في ناحية الحرة، حتى ماتوا على حالهم. قال قتادة بلغنا أن النبي (ص) بعد ذلك كان يحثُّ على الصدقة، وينهى عن المُثلة). انتهى.

ومقصوده أن النبي (صلى الله عليه وآله) تاب بعد ذلك، وكان ينهى المسلمين عن المثلة، ويحثّ على التصدّق ويتصدّق ليغفر له الله ما ارتكبه من المثلة!!

وقال البخاري في: 4/22: (فبعث الطلب فما ترجَّل النهار حتى أتيَ بهم فقطع أيديهم وأرجلهم، ثم أمر بمسامير فأحميت فكحَّلهم بها، وطرحهم بالحرة يستسقون فما يسقون، حتى ماتوا ). وقال في: 8/19: ( فأمر بمسامير فأحميت فكحَّلهم بها، وقطع أيديهم وأرجلهم، وما حَسَمهم، ثم ألقوا في الحرة).انتهى. وروى مثله أبو داود: 2/331.

وقال في عون المعبود:12/15: (قال المنذري: وأخرجه البخاري، ومسلم والنسائي (بمسامير) جمع مسمار... (فكحَّلهم) أي بتلك المسامير المحمّاة. (وما حسمهم) الحسم الكي بالنار لقطع الدم، أي لم يَكْوِ مواضع القطع لينقطع الدم بل تركهم.

ورواه مسلم: 5/102، وفيه: (فجيء بهم فأمر بهم فقطعت أيديهم وأرجلهم، وسمِّرت أعينهم، ثم نُبذوا في الشمس حتى ماتوا... وسمّرت أعينهم وألقوا في الحرة يستسقون فلا يسقون). ورواه أبو داود: 1/602، والترمذي: 2/431

وفي الفائق للزمخشري: 1/212: ( قال أنس: فلقد رأيت أحدهم يكدم الأرض بفيه حتى ماتوا عطشًا). انتهى. أي يعضّ الأرض من العطش!!

وفي سبل الهدى: 6/116: ( قال أنس كما عند ابن عمر: خرجت أسعى في آثارهم مع الغلمان حتى لقي بهم رسول الله (ص) بالرغابة بمجتمع السيول، فأمر بمسامير فأحميت فكحلهم بها).

وفي تفسير القرطبي: 6/148: (قال جرير: فكانوا يقولون الماء، ويقول رسول الله (ص): النار! وقد حكى أهل التواريخ والسير: أنهم قطعوا يدي الراعي ورجليه وغرزوا الشوك في عينيه حتى مات، وأدخل المدينة ميتًا! وكان اسمه يسار وكان نوبيًا. وكان هذا الفعل من المرتدين سنة ست من الهجرة. وفي بعض الروايات عن أنس: أن رسول الله (ص) أحرقهم بالنار بعد ما قتلهم)!!

يتبع =

ــــــــــــــــــــــــــــ

1.  مفكر إسلامي وباحث في شؤون العقيدة.

[i] - سورة آل عمران: 159.

[ii] - سورة التوبة: 128.

[iii] - سورة النحل: 126.

[iv] - سورة المائدة: 33

[v] - سورة النحل: 126.

[vi] - تفسير القرطبي: 2/146

 

.

تتمة مقال - قرشيات

زعموا أن الله تعالى وبَّخ نبيه (صلى الله عليه وآله) على ما ارتكب!

قال الشوكاني في نيل الأوطار: 7/331: (وعن أبي الزناد: أن رسول الله (ص) لما قطع الذين سرقوا لقاحه وسمل أعينهم بالنار، عاتبه الله في ذلك فأنزل: {إنما جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأرض فسادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا}.. الآية([1]). رواه أبو داود والنسائي... حديث أبي الزناد مرسل، وقد سكت عنه أبو داود، ولم يذكر المنذري له علّة غير إرساله، ورجال هذا المرسل رجال الصحيح، وقد وصله أبو الزناد من طريق عبد الله بن عبيد الله بن عمر، عن عمر، كما في سنن أبي داود في الحدود، ويؤيده ما أخرجه أبو داود والنسائي من حديث ابن عباس: أن ناسًا أغاروا على إبل رسول الله (ص) وارتدّوا عن الإسلام وقتلوا راعي رسول الله (ص) مؤمنًا فبعث في آثارهم فأخذوا فقطع أيديهم وأرجلهم وسمل أعينهم قال: فنزلت فيهم آية المحاربة... وأخرج أبو داود والنسائي عن ابن عمر، أن الآية نزلت في العرنيين). انتهى.

يقصد الشوكاني أن النبي (صلى الله عليه وآله) ارتكب ذنْب سمْل العيون والمُثلة، فعاتبه الله وأنزل آية حكم المحاربين المفسدين بقطع الأيدي والأرجل فقط!

وقال الطبري في تفسيره: 6/285: ( حدثني علي بن سهل قال: حدثنا الوليد بن مسلم قال: ذاكرت الليث بن سعد ما كان من سمل رسول الله (ص) أعينهم وتركه حسمهم حتى ماتوا! فقال: سمعت محمد بن عجلان يقول: أنزلت هذه الآية على رسول الله (ص) معاتبةً في ذلك، وعلَّمَه عقوبة مثلهم من القطع والقتل والنفي، ولم يسمل بعدهم غيرهم. قال: وكان هذا القول ذكر لأبي عمرو فأنكر أن تكون نزلت معاتبة، وقال: بلى كانت عقوبة أولئك النفر بأعيانهم، ثم نزلت هذه الآية في عقوبة غيرهم ممن حارب بعدهم، فرفع عنه السمل).انتهى.(والدر المنثور:2/278).

ومناقشة الوليد بن مسلم للَّيث، وهما من كبار الرواة عندهم، تدل على شكهم واستغرابهم نسبة المعصية والتوبيخ الإلهي إلى النبي (صلى الله عليه وآله)! بل نجد أن بعضهم تبرع بنفي ذلك، واكتفى بنسبة نيّة ذلك فقط إلى النبي (صلى الله عليه وآله)!

قال الطبري في تفسيره:6/285: (عن السدي قال: فبعث رسول الله (ص) فأُتي بهم يعني العرنيين فأراد أن يسمل أعينهم، فنهاه الله عن ذلك، وأمره أن يقيم فيهم الحدود كما أنزلها الله عليه). انتهى.

وقال الشافعي في الأم:4/259: (وإذا أسَرَ المسلمون المشركين فأرادوا قتلهم قتلوهم بضرب الأعناق، ولم يجاوزوا ذلك إلى أن يمثلوا بقطع يد، ولا رجل ولا عضو ولا مفصل، ولا بَقْر بطن، ولا تحريق ولا تغريق، ولا شيء يعدّ مثلة. وما وصفت لأن رسول الله (ص) نهى عن المثلة وقتل من قتل كما وصفت.

فإن قال قائل: قد قطع أيدي الذين استاقوا لقاحه وأرجلهم وسمل أعينهم.

فإن أنس بن مالك ورجلاً رويا هذا عن النبي (ص)، ثم رويا فيه أو أحدهما أن النبي (ص) لم يخطب بعد ذلك خطبة إلا أمر بالصدقة ونهى عن المثلة.

أخبرنا سفيان عن ابن أبي نجيح أن هبَّار بن الأسود كان قد أصاب زينب بنت رسول الله (ص) بشيء فبعث النبي (ص) سرية فقال: إن ظفرتم بهبَّار بن الأسود فاجعلوه بين حزمتين من حطب ثم أحرقوه. ثم قال رسول الله(ص): سبحان الله ما ينبغي لأحد أن يعذّب بعذاب الله عز وجل، إن ظفرتم به فاقطعوا يديه ورجليه. وكان علي بن حسين يُنكر حديث أنس في أصحاب اللقاح. أخبرنا ابن أبي يحيى، عن جعفر، عن أبيه، عن علي بن حسين قال: والله ما سَمَلَ رسول الله (ص) عينًا ولا زاد أهل اللقاح على قطع أيديهم وأرجلهم ). انتهى.

ومقصود الشافعي أنه ثبت عنده أن النبي (صلى الله عليه وآله) أمر بإحراق هبَّار بن الأسود بالنار ثم ندم وسحب أمره، وهبَّار هذا تعرّض لزينب ابنة النبي (صلى الله عليه وآله) في طريق هجرتها إلى المدينة، ونخس راحلتها وألقاها عنها فأسقطت جنينها!

كما ثبت عند الشافعي أن النبي (صلى الله عليه وآله) قد سمل أعين الذين سرقوا الإبل وقتلوا رعاتها، لأنه يرجّح رواية البخاري وغيره من رواة السلطة، على رأي الإمام زين العابدين (عليه السلام) الذي نفى نسبة ذلك إلى جده رسول الله (صلى الله عليه وآله) وحلف على نفيه!

وقال ابن حجر في فتح الباري:1/294: ( قال ابن شاهين عقب حديث عمران بن حصين في النهي عن المُثلة: هذا الحديث ينسخ كل مثلة. وتعقبه ابن الجوزي بأن ادّعاء النسخ يحتاج إلى تاريخ. قلت: يدل عليه ما رواه البخاري في الجهاد من حديث أبي هريرة في النهي عن التعذيب بالنار بعد الإذن فيه. وقصة العرنيين قبل إسلام أبي هريرة وقد حضر الأمر ثم النهي. وروى قتادة عن ابن سيرين أن قصتهم كانت قبل أن تنزل الحدود، ولموسى بن عقبة في المغازي: وذكروا أن النبي (ص) نهى بعد ذلك عن المثلة بالآية التي في سورة المائدة، وإلى هذا مال البخاري، وحكاه إمام الحرمين في النهاية عن الشافعي)انتهى.

يقصد ابن حجر أن نهي النبي (صلى الله عليه وآله) عن المثلة كان بعد نزول آية حد المحارب في سورة المائدة، التي هي آخر سورة نزلت من القرآن، فقد نزلت قبيل وفاة النبي! ومعناه أنه (صلى الله عليه وآله) لم ينهَ عنها في السنة السادسة بعد قصة العرنيين!

بينما قال ابن نجيم في البحر الرائق:1/202: (والمثلة المروية في قصة العرنيين منسوخة بالنهي المتأخر، وأراد بالنهي المتأخر ما ذكره البيهقي عن أنس قال: ما خطبنا رسول الله (ص) بعد ذلك خطبة إلا نهى فيها عن المثلة) انتهى.

أقول: وكل غرضهم من ذلك إثبات أن النبي (صلى الله عليه وآله) ارتكب المثلة في قصة العرنيين، ونهى عنها بعدها مباشرة، أو بعدها بثلاث سنوات!!

الصحيح أن النبي (صلى الله عليه وآله) لم يرتكب شيئًا من ذلك

والصحيح أن النبي (صلى الله عليه وآله) لم يرتكب المُثلة ونهى عنها في أحد، وأنه قد يكون نوى بعد مقتل حمزة وتمثيل بني أمية به، أن يقتصّ منهم، فأنزل الله تعالى ترجيح الصبر بقوله تعالى: {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَاعُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ}([2]) فاختار النبي (صلى الله عليه وآله) الصبر وأمر به المسلمين به، ونهاهم عن المثلة التي نَووها. وكان ذلك في معركة أحد في السنة الثالثة للهجرة، قبل قصّة العرنيين بأربع سنوات، وقبل فتح مكة بست سنوات. وقد رواه الجميع واتفقت عليه الرواية عن أهل البيت (عليهم السلام)!([3]).

وممن وافقنا منهم أو أورد رواية نزولها في أحد:

الحاكم في المستدرك: 3/197، وابن حزم: 10/377، والشوكاني في نيل الأوطار: 8/172، وابن أبي شيبة في المصنف: 8/485، والبيهقي في سننه: 6/376، والطبراني في الكبير: 11/52، ومحمد بن سلمة في شرح معاني الآثار: 3/183، والمحاملي في أماليه ص 128، وابن حبان في صحيحه: 2/239، والدارقطني في سننه: 4/64، وابن حجر في فتح الباري: 7/286، والزيلعي في نصب الراية: 2/366، وابن أبي الحديد في شرح النهج: 4/64 و: 15/17، والمناوي في فيض القدير:6/367، والنحاس في معاني القرآن:4/51 و112، والواحدي في أسباب النزول ص 192، والهيثمي في مجمع الزوائد:6/ 119، عن أبي هريرة، وضعفها بصالح بن بشير، وفي ص120، وضعفها بأحمد بن أيوب بن راشد). والطبري في تفسيره:14/253، وقال: (وقد اختلف أهل التأويل في السبب الذي من أجله نزلت هذه الآية وقيل هي منسوخة أو محكمة) وكأنه رجح نزولها في أحد.

لكن القوم لا يريدون الاعتراف بنزولها في أحد حتى لو رووه بسند صحيح!

بل حتى لو رواه البخاري كما شهد الثعالبي، ولكنهم لا يريدونه لأنه يكذّب ما نسبوه إلى النبي (صلى الله عليه وآله) من مُثلةٍ في قصة العرنيين في السنة السادسة، وهم بحاجة إلى هذه النسبة من أجل تبريرِ فعلِ بعض كبار الصحابة، وإحراقه رجلين بالنار!

قال السيوطي في الدر المنثور:4/135: (وأخرج ابن سعد، والبزار، وابن المنذر، وابن مردويه، والحاكم وصححه، والبيهقي في الدلائل، عن أبي هريرة أن النبي (ص) وقف على حمزة حين استشهد فنظر إلى منظر لم ير شيئًا قط كان أوجع لقلبه منه، ونظر إليه قد مُثّل به فقال: رحمة الله عليك، فإنك كنت ما علمت وصولاً للرحم، فعولاً للخيرات، ولولا حزن من بعدك عليك لسرني أن أتركك حتى يحشرك الله من أرواح شتى! أما والله لأمثلن بسبعين منهم مكانك. فنزل جبريل -والنبي (ص)واقف- بخواتيم النحل: وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَاعُوقِبْتُمْ بِهِ.. الآية، فكفَّر النبي (ص)عن يمينه وأمسك عن الذي أراد وصبر.

وأخرج ابن المنذر، والطبراني، وابن مردويه، والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس قال: قال رسول الله(ص) يوم قتل حمزة ومُثِّل به: لئن ظفرت بقريش لأمثلنّ بسبعين رجلاً منهم فأنزل الله: وإن عاقبتم.. الآية. فقال رسول الله (ص): بل نصبر يا ربّ، فصبر ونهى عن المثلة.

وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف، وابن جرير، عن الشعبى قال: لما كان يوم أحد وانصرف المشركون فرأى المسلمون بإخوانهم مُثْلَةً، جعلوا يقطعون آذانهم وآنافهم ويشقّون بطونهم، فقال أصحاب رسول الله(ص): لئن أنالنا الله منهم لنفعلنّ ولنفعلنّ، فأنزل الله: وإن عاقبتم.. الآية، فقال رسول الله (ص): بل نصبر. وأخرج ابن إسحاق، وابن جرير، عن عطاء بن يسار قال: نزلت سورة النحل كلها بمكة، إلا ثلاث آيات من آخرها نزلت بالمدينة يوم أحد، حيث قتل حمزة ومُثِّلَ به، فقال رسول الله(ص): لئن ظهرنا عليهم لنمثلنّ بثلاثين رجلاً منهم، فلما سمع المسلمون ذلك قالوا: والله لئن ظهرنا عليهم لنمثلنّ بهم مثلة لم يمثلها أحد من العرب بأحد قط، فأنزل الله: وإن عاقبتم فعاقبوا.. إلى آخر السورة).

ولكن السيوطي مع كل هذه الروايات، مال مع جمهورهم الذين لهم غرض في إثبات أن النبي (صلى الله عليه وآله) قد مثَّل بالعرنيين، ورجّح أن نزول آية العقوبة تأخر الى فتح مكة في السنة الثامنة! قال في الدر المنثور: 4/135: قوله تعالى: {وان عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به}.. الآية، أخرج الترمذي وحسَّنه، وعبد الله بن أحمد في زوائد المسند، والنسائي، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن حبان، وابن مردويه، والحاكم وصحَّحه، والبيهقي في الدلائل، عن أبي بن كعب قال: لما كان يوم أحد أصيب من الأنصار أربعة وستون رجلاً ومن المهاجرين ستة منهم حمزة، فمثّلوا بهم فقالت الأنصار: لئن أصبنا منهم يومًا مثل هذا لنربََينَّ عليهم، فلما كان يوم فتح مكة أنزل الله: {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ}، فقال رسول الله(ص): نصبر ولا نعاقب كفوا عن القوم إلا أربعة). انتهى. (وذكر نحوه في لباب النقول ص121). كما رووا نزولها في فتح مكة وقَوَّوه وصححوا حديثه: كما في مسند أحمد: 5/135 والترمذي: 4/362، والحاكم:2/359 و466، والطبراني في الكبير: 3/144، والشوكاني في نيل الأوطار: 8 /172، وابن كثير في تفسيره: 2/614.

وأخيرًا، لو سلّمنا صحة رواياتهم في نزول آية العقوبة في مكة، فلا تنافي رواية نزولها في أحد قبل خمس سنوات! فَلَيْتَهم سلكوا هذا المسلك العقلائي في الجمع بينها، كما في هامش تفسير الجلالين ص510، قال: (وظاهر هذا تأخّر نزولها إلى الفتح، وفي الحديث الذي قبله نزولها بأحد، وجمع ابن الحصار بأنها نزلت أولاً بمكة، ثم ثانيًا بأحد، ثم ثالثًا يوم الفتح، تذكيرًا من الله لعباده). انتهى.

ولكنهم لا يريدون تكذيب جماعتهم في نسبة سَمْل العيون إلى النبي (صلى الله عليه وآله)!! فروايتهم لا ترد حتى لو لزم منها التنقيص من مقام النبي (صلى الله عليه وآله)، والتناقض!

قال الطبري في تفسيره: 6/283: (وأولى الأقوال في ذلك عندي أن يقال: أنزل الله هذه الآية على نبيه (ص) معرفة حكمه على من حارب الله ورسوله وسعى في الأرض فسادًا، بعد الذي كان من فعل رسول الله ( ص ) بالعرنيين ما فعل.... وقلنا: كان نزول ذلك بعد الذي كان من فعل رسول الله (ص) بالعرنيين ما فعل لتظاهر الأخبار عن أصحاب رسول الله (ص) بذلك). انتهى.

وذكر العلامة مرتضى في الصحيح من السيرة: 6/275: أن سعيد بن جبير نفى أن يكون النبي (صلى الله عليه وآله) قد سمل عيون أحد لقوله: (فما مثَّل رسول الله (ص) قبل ولا بعد)، وقد فهم النفي من عبارة ابن جبير، لكن مقصوده بقوله إن النبي (صلى الله عليه وآله) ما فعل إلا في قصة العرنيين لا قبلها ولا بعدها، إثباتها ونفي ما عداها، وليس النفي المطلق. وأصل رواية ابن جبير في تفسير الطبري:6/281، عن ابن شقيق قال: (حدثني سعيد بن جبير عن المحاربين، فقال: كان ناس أتوا النبي(ص) فقالوا: نبايعك على الإسلام، فبايعوه وهم كذَبَة وليس الإسلام يريدون. ثم قالوا: أنا نجتوي المدينة، فقال النبي(ص): هذه اللقاح تغدو عليكم وتروح، فاشربوا من أبوالها وألبانها. قال: فبينا هم كذلك إذ جاء الصريخ، فصرخ إلى رسول الله (ص) فقال: قتلوا الراعي، وساقوا النَّعم! فأمر نبي الله فنودي في الناس أن: يا خيل الله اركبي. قال: فركبوا لا ينتظر فارس فارسًا. قال: فركب رسول الله (ص) على أثرهم، فلم يزالوا يطلبونهم حتى أدخلوهم مأمنهم، فرجع صحابة رسول الله (ص) وقد أسروا منهم، فأتوا بهم النبي(ص) فأنزل الله: إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله... الآية، قال: فكان نفيهم أن نفوهم، حتى أدخلوهم مأمنهم وأرضهم، ونفوهم من أرض المسلمين، وقتل نبي الله منهم وصلب وقطع وسمل الأعين. قال: فما مثَّل رسول الله (ص) قبل ولا بعد. قال: ونهى عن المثلة، وقال: لا تمثّلوا بشيء. قال: فكان أنس بن مالك يقول ذلك، غير أنه قال: أحرقهم بالنار بعد ما قتلهم ). انتهى.

فقد صرّح بأن النبي (صلى الله عليه وآله) قتل منهم وصلب وقطع وسمل الأعين، حتى بعد نزول آية المحاربة، وأنه لم يكن فعل ذلك من قبل ولا فعله بعده، بل نهى عن المثلة!

فقول ابن جبير أشد من قول غيره! لأنه ينسب الى النبي (صلى الله عليه وآله) أنه سمل عيونهم وصلبهم حتى بعد نزول آية المحاربة، وأنه ندم عليه ونهى عن المثلة!!

كما نسبت الرواية إلى النبي (صلى الله عليه وآله) عن لسان أنس أنه أحرقهم بالنار، وورد ذلك عن أنس في عدة مصادر، وقد شابه أنس أبا الزناد الموظف عند بني أمية والذي قال عن النبي (صلى الله عليه وآله): (فلما وُعظ ونُهِيَ عن المثلة، لم يعد )!!(تفسير القرطبي:6/149).

يتبع =

ــــــــــــــــــــــ

[1] - سورة المائدة: 33

[2] - سورة النحل: 126

[3] - راجع: تفسير القمي: 1/123، وص392، وتفسير العياشي: 2/274، والتبيان: 6/440، وقال: ذكره الشعبي وقتادة وعطاء.  ومجمع البيان: 6/135 و211، وجوامع الجامع: 2/313، وشرح الأخبار: 1/ 275 و:3/230، وذخائر العقبى ص 180و182، ومناقب آل أبي طالب: 1/166، والهداية الكبرى ص 346، والعمدة  ص 453، وإقبال الأعمال: 3/83، ومستدرك الوسائل: 2/257، وتفسير الميزان: 12/203

 

.

تتمة مقال - قرشيات

شهادة من الثعالبي على تحريف نسخة البخاري!

قال في تفسيره:3/448: (أطبق أهل التفسير أن هذه الآية مدنية نزلت في شأن التمثيل بحمزة وغيره في يوم أحد، ووقع ذلك في صحيح البخاري وغيره، وقال النبي(ص): لئن أظفرني الله بهم لأمثلنّ بثلاثين، وفي كتاب النحاس وغيره بسبعين منهم، فقال الناس: إن ظفرنا لنفعلن ولنفعلن، فنزلت هذه الآية، ثم عزم على النبي (ص) في الصبر عن المجازاة بالتمثيل في القتلى. ويروى أنه (عليه السلام) قال لأصحابه: أما أنا فأصبر كما أمرت فماذا تصنعون؟ فقالوا نصبر يا رسول الله كما ندبنا الله ).

أقول: في كلام الثعالبي أمران مهمان، أولهما، أن إطباق أهل التفسير على نزول الآية وصدور النهي عن المُثلة في أحد، أي السنة الثالثة للهجرة. والإطباق يشبه الإجماع، ويدل على غلبة اتجاه تنزيه النبي (صلى الله عليه وآله) عند قدماء مفسريهم.

وثانيهما، أن البخاري قد روى ذلك في صحيحه، ولا نجده في صحيحه ولا في باقي كتبه، فلا بد أن تكون نسخة الثعالبي مختلفة، وأن يتجه الاتهام إلى النسخة التي بأيدينا، وأنهم أسقطوا منها ذلك الحديث، أو حذفوه!

واتهموا النبي (صلى الله عليه وآله) بأنه لم يَسْقِ الماء لمن قتلهم ومَثَّلَ بهم!!

قال ابن حجر في فتح الباري:1/294: (واستشكل القاضي عياض عدم سقيهم الماء للإجماع على أن من وجب عليه القتل فاستسقى لا يمنع! وأجاب: بأن ذلك لم يقع عن أمر النبي (ص)، ولا وقع منه نهي عن سقيهم. انتهى. وهو ضعيف جدًا لأن النبي(ص) اطلع على ذلك، وسكوته كاف في ثبوت الحكم). انتهى.

أقول: كأن ابن حجر يوافق ابن تيمية في قوله عن كتاب الشفاء لعياض: غلا هذا المغيربي!! ويقول لعياض: لا تغالِ في النبي (صلى الله عليه وآله) فقد كان سمْل العيون بأمره وعلمه!! (نقله عن ابن تيمية الشريف الدكتور محمود السيد صبيح في كتابه أخطاء ابن تيمية في حق رسول الله وأهل بيته، عن فهرس الفهارس:1/201 لعبد الحي كتاني).

أهل البيت (عليهم السلام) دافعوا عن النبي (صلى الله عليه وآله) وكشفوا كذب الرواة!

روى الصدوق (رحمه الله) في علل الشرائع:2/541، عن الإمام الباقر (عليه السلام) قال: ( إن أول ما استحل الأمراء العذاب لكذبة كذبها أنس بن مالك على رسول الله - صلى الله عليه وآله - أنه سمَّر يد رجل إلى الحائط، ومن ثم استحل الأمراء العذاب!!). انتهى.

وهذا يضع يدنا على سبب من أسباب كذبهم على رسول الله (صلى الله عليه وآله) عن عمدٍ وإصرار، لأجل تبرير ظلم الخليفة أو أحد ولاته للمسلمين!

ويدلّنا على أن جميع أحاديث هذا الباب موضوعة، ما في كتاب الأم للشافعي من إنكار الإمام زين العابدين (عليه السلام) زعمهم أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) سَمَل عينَ أحد! ورواه الشافعي أيضًا في مسنده ص315: (أخبرنا إبراهيم بن أبي يحيى، عن جعفر، عن أبيه، عن علي بن الحسين قال: لا والله ما سَمَل رسول الله (ص) عينًا، ولا زاد أهل اللقاح على قطع أيديهم وأرجلهم ). انتهى.

ورواه البيهقي في سننه:9/70، وقال: (حديث أنس حديث ثابت صحيح، ومعه رواية ابن عمر، وفيهما جميعًا أنه سمل أعينهم، فلا معنى لإنكار من أنكر، والأحسن حمله على النسخ). انتهى. ومعناه أن البيهقي لم يأخذ بشهادة الإمام زين العابدين (عليه السلام)، ورجح شهادة أنس بن مالك وعبدالله بن عمر عليها!!

وتغافل عن شهادة ابن عباس التي تنزّه النبي (صلى الله عليه وآله)، والتي رواها الطبري في تاريخه:2/208: (عن ابن عباس قال: إن الله عز وجل أنزل في ذلك من قول رسول الله (ص) وقول أصحابه: وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به.. إلى آخر السورة، فعفا رسول الله (ص) وصبر ونهى عن المثلة). انتهى.

وتغافل عن شهادة ابن عباس التي رواها ابن هشام في سيرته:3/611، قال: (عن ابن عباس، أن الله عز وجل أنزل في ذلك، من قول رسول الله (ص) وقول أصحابه: وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به...الآية، فعفا رسول الله (ص) وصبر ونهى عن المثلة).

فلماذا يُصرّ علماء السلطة أتباع خلافة قريش، على اتهام النبي (صلى الله عليه وآله) بالقسوة والظلم وانتهاك حقوق الإنسان! ويردّون تأكيدات أهل البيت (عليهم السلام), ويصرون على نزول آية العقوبة بعد ذنب النبي (صلى الله عليه وآله) وتمثيله بالرعاة العرنيين.

ولماذا يردّون الأحاديث التي رووها هم التي تنصّ على أنها نزلت في أحد مع أن فيها الصحيح عندهم! فإذا وجدت أحاديث صحيحة متعارضة بعضها يطعن في النبي (صلى الله عليه وآله) وبعضها ينزّهه، فلماذا يرجّحون اتهامه (صلى الله عليه وآله)؟!

البخاري يصرّ على أن النبي (صلى الله عليه وآله) عصى ربه

قال البخاري في:5/70: (فأمر بهم فسمَّروا أعينهم وقطعوا أيديهم وأرجلهم وتُركوا في ناحية الحرة حتى ماتوا على حالهم. قال قتادة بلغنا أن النبي (ص) بعد ذلك كان يحثّ على الصدقة وينهى عن المثلة). انتهى. هل معنى ذلك أن النبي (صلى الله عليه وآله) عصى الله في سمل أعينهم والتمثيل بهم ثم تاب؟!

كما ينبغي الانتباه إلى عبارة (سرقوا لقاحه) التي كرّروها في أحاديث الباب، فهل كانت الإبل ملكًا شخصيًا للنبي (صلى الله عليه وآله)؟ وكأنه غضب لنفسه ومثَّل بهم؟!

هذا غيض من فيض

في الختام، هذا باب واحد من عشرات الأبواب التي غصّت بأحاديثها الصحاح والسنن والمسانيد مع الأسف! مثل كذبهم عليه لتبرير النبيذ ومجالس الغناء! وكذبهم على النبي (صلى الله عليه وآله) لرفع لعن من لعنهم! وكذبهم عليه لمدح زعماء قريش! وكذبهم عليه (صلى الله عليه وآله) لذمّ أهل بيته الطاهرين (عليهم السلام)! وكذبهم عليه لرد أوامره التي تتعلق بأمور الدنيا لأنهم أخبر منه بها!

ترى ألا يستحق هذا النوع من الموضوعات أن نسمّيها بالقرشيات أسوة بالإسرائيليات!!

انتهى المقال

 
115%