رسالة النجف

حكم المال الذي يتعذر إيصاله لمالكه

 

رسالة في حكم المال الذي يتعذر إيصاله لمالكه

الشيخ محمد تقي الفقيه(قدس سره)

تمهيد:

هذه الرسالة في [بيان حكم المال الذي يتعذر إيصاله لمالكه]، حرّرها المؤلف (قدس سره) في 9 ربيع الثاني1390هـ، الموافق21نيسان1975م. وذكر في مقدّمتها السبب في تحريرها فقال: [لاحظت أنَّ حكم المال الذي يتعذر إيصاله لمالكه مختلف، مثل حكم المال المجهول المالك، ومثل حكم المال الحرام المختلط بالحلال الذي لا يُعرف مالكه، ومثل حكم المظالم التي انشغلت بها ذمة الناس ولا يعرفون أربابها، ومثل حكم الدَّين الذي غاب صاحبه غيبة منقطعة، ومثل حكم اللقطة، وما أشبه ذلك، فإنَّ هذه الأنواع من الأموال وإن كان يجمعها جامع واحد وهو تعذّر إيصال المال إلى مالكه إلاَّ أنًّ لها صورًا كثيرة تختلف أحكامها باختلافها، وقد يصعب على الفقيه مراجعة كلٍّ في مورده والإحاطة بمدركه، لأنَّ بعضها ليس له عنوان في الفقه يخصّه، فقد يذكرها فقيه في مورد من كتابه ويذكرها غيره في مورد آخر تبعًا للمناسبة التي دعته لذلك، وقد أفرد الفقهاء للّقطة كتابًا مطولاً، وأسهبوا في كتاب الخمس في حكم المال المختلط بالحرام].

ثم ذكر: أنه رغم ذلك بقي حكم المال الذي يتعذر إيصاله لمالكه بحاجة إلى التحقيق والإيضاح، ومن أجل ذلك أفرد له هذه الرسالة.

مقدمة:

أنواع المال الذي لا يمكن إيصاله لمالكه كثيرة وأحكامها مختلفة([1]):

أحدها: اللقطة، وقد أفرد الفقهاء لها كتابًا خاصًا لاختلاف مواردها وأحكامها.

ثانيها: المال الحرام الذي اختلط بالحلال، وقد تعرض له الفقهاء في كتاب الخمس.

ثالثها: ما يتركه الميت الذي ليس له وارث أو لا يعلم وارثه، وقد تعرض له الفقهاء في كتاب المواريث في ميراث الإمام (عليه السلام).

رابعها: تراب الصّاغة وقد تعرّض له الفقهاء في كتاب الصرف، ويلحق به القصاصات التي تجتمع عند الخيَّاطين من أقمشة الناس التي يخيطونها لهم، وفضلات الأخشاب التي تجتمع عند النجّارين من أخشاب الناس الذين كلّفوا بصنعها لهم أبوابًا وما أشبه ذلك، ومنها ما يتساقط من الباعة من الغلّات والأطعمة في المحلات التي تباع فيها ويختلط بعضه ببعض ولا يتميّز.

خامسها: المال المجهول المالك كالأموال التي ينساها أربابها عند غيرهم، وقد يكون منها الأموال التي يحملها السيل والريح.

سادسها: الأموال التي تشتغل ذمّة المكلف بها وهي لغيره، وقد تكون معلومة المقدار والجنس وقد تكون مجهولة، وقد تكون من الأعيان أو من المنافع.

سابعها: المال الذي يودعه اللص عند المسلم.

إذا عرفت هذا فاعلم:

أن الكلام في المال الذي لا يمكن إيصاله لمالكه يقع في مقامين:

المقام الأول: في سرد النصوص المتعلقة فيما نحن فيه وهي كثيرة:

الأولى: موثقة إسحاق بن عمار، بل صحيحته، قال: (سألت أبا إبراهيم (عليه السلام) عن رجل نزل في بعض بيوت مكة، فوجد فيها نحوًا من سبعين درهمًا مدفونة، فلم تزل معه ولم يذكرها حتى قدم الكوفة، كيف يصنع؟ قال (عليه السلام): يسأل عنها أهل المنزل لعلّهم يعرفونها، قلت: فإنْ لم يعرفوها؟ قال: يتصدق بها)([2]).

الثانية: مصحّحة يونس بن عبد الرحمن، قال: (سُئل أبو الحسن الرضا (عليه السلام) وأنا حاضر، إلى أن قال: فقال: رفيق كان لنا بمكة فرحل إلى منزله، ورحلنا إلى منازلنا، فلما أن صرنا في الطريق أصبنا بعض متاعه معنا، فأي شيء نصنع به؟ قال (عليه السلام): تحملونه حتى تحملوه إلى الكوفة، قال: لسنا نعرفه ولا نعرف بلده، ولا نعرف كيف نصنع؟ قال: إذا كان كذا فبعه وتصدق بثمنه، قال له: على من جعلت فداك؟ قال: على أهل الولاية)([3]).

وفي رواية الكليني: (تحملونه حتى تلحقوهم بالكوفة، فقال يونس: قلت له: لست أعرفهم ولا ندري كيف نسأل عنهم؟ قال: فقال: بعه وأعطِ ثمنه أصحابك، قال: فقلت: جعلت فداك، أهل الولاية؟ فقال: نعم)([4]).

الثالثة: ما رواه المشايخ الثلاثة مسندًا، والمفيد، قال: (سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل من المسلمين أودعه رجل من اللصوص دراهمَ أو متاعًا، واللصّ مسلم، هل يردّ عليه؟ فقال: لا يردّه، فإن أمكنه أن يردّه على أصحابه فعل، وإلا كان في يده بمنزلة اللقطة يصيبها فيعرّفها حولاً، فإن أصاب صاحبها ردّها عليه، وإلا تصدق بها، فإن جاء طالبها بعد ذلك خيَّره بين الأجر والغرم، فإن اختار الأجر فله الأجر وإن اختار الغرم غرم له، وكان الأجر له)([5]).

قلت: يظهر من تتمة الرواية أنه يعلم أنّ المال ليس للصّ، ولا ريب أنه ليس من اللقطة، بل هو من مجهول المالك، ولكن مقتضى عموم التنزيل في قوله (عليه السلام) (هو بمنزلة اللقطة) هو وجوب التنذير وما يتبعه من التصدّق، فلا يختلف حكمه حينئذ عن حكم مجهول المالك، ومورد هذه الرواية المال المعلوم عينًا، الذي يعلم اللصّ صاحبه، ولكن مَنْ بيده المال لا يعلمه.

الرابعة: خبر علي بن أبي حمزة، قال: (كان لي صديق من كتَّاب بني أمية..) ثم ذكر دخوله على الصادق (عليه السلام) وأنه قال له: (إني كنت في ديوان هؤلاء القوم فأصبت من دنياهم مالاً كثيرًا، وأغمضت في مطالبه..) إلى أن قال: (جعلت فداك، فهل لي مخرج منه؟ قال (عليه السلام): إن قلت لك تفعل؟ قال: أفعل. قال له: فاخرج من جميع ما كسبت في ديوانهم، فمن عرفت منهم رددت عليه ماله، ومن لم تعرف تصدّقت به، وأنا أضمن لك على الله عزّ وجل الجنّة، فأطرق الفتى طويلاً، ثم قال له: لقد فعلت، جعلت فداك، قال ابن أبي حمزة: فرجع الفتى معنا إلى الكوفة فما ترك شيئًا على وجه الأرض إلا خرج منه، حتى ثيابه التي كانت على بدنه، قال: فقسمت له قسمة، واشترينا له ثيابًا، وبعثنا إليه بنفقة، قال: فما أتى عليه إلا أشهر قلائل حتى مرض فكنَّا نعوده، قال: فدخلت يومًا وهو في السَّوْق([6]) قال ففتح عينيه ثم قال لي: يا علي وفى لي والله صاحبك، قال: ثم مات، فتولينا أمره، فخرجت حتى دخلت على أبي عبد الله (عليه السلام) فلما نظر إليّ قال لي: يا عليّ وفينا والله لصاحبك.. الحديث)([7]).

قلت: وهذه الرواية ظاهرة في وجوب التصدّق بالمال المجهول المالك المعلوم العين.

الخامسة: صحيحة زرارة قال: (سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن الرجل يكون عليه الدَّين لا يقدر على صاحبه، ولا على وليّ له، ولا يدري بأيّ أرض هو؟ قال: لا جناح عليه بعد أن يعلم الله منه أن نيّته الأداء)([8]).

قلت: هذه الرواية لا شاهد فيها، نعم يمكن أن تكون الروايات الآنفة مبيِّنة لها.

السادسة: صحيحة معاوية بن وهب، قال: (سئل أبو عبد الله (عليه السلام) عن رجل كان له على رجل حقّ ففُقِد، ولا يدري أحيُّ هو أم ميِّت ولا يُعرف له وارث ولا نسب ولا بلد، قال: اطلبه، قال: إنَّ ذلك قد طال، فأصَّدق به؟ قال: اطلبه)([9]).

السابعة: موثقة هشام بن سالم، قال: (سأل حفص الأعور أبا عبد الله (عليه السلام) وأنا عنده جالس، قال: إنه كان لأبي أجير كان يقوم في رحاه، وله عندنا دراهم وليس له وارث، فقال أبو عبد الله (عليه السلام): تدفع إلى المساكين، ثم قال: رأيك فيها، ثم أعاد عليه المسألة، فقال له مثل ذلك، فأعاد عليه المسألة ثالثة، فقال أبو عبد الله (عليه السلام) تطلب وارثًا فإن وجدت وارثًا وإلا فهو كسبيل مالك، ثم قال: ما عسى أن يصنع بها؟ ثم قال: توصي بها، فإن جاء طالبها وإلا فهي كسبيل مالك)([10]).

الثامنة: صحيحة هشام بن سالم، قال: (سأل خطَّاب الأعور أبا إبراهيم (عليه السلام) وأنا جالس فقال: إنه كان عند أبي أجير يعمل عنده بالأجرة ففقدناه وبقي من أجره شيء ولا يعرف له وارث، قال فاطلبوه، قال: قد طلبناه فلم نجده قال: فقال: مساكين ـ وحرّك يده ـ قال: فأعاد عليه، قال: اطلب واجهد فإن قدرت عليه، وإلا فهو كسبيل مالك حتى يجيء له طالب، فإن حدث بك حدث فأوصِ به إن جاء لها طالب أن يدفع إليه)([11]).

قلت: رواية هشام الأولى صريحة في وجوب التصدق، وإلحاح حفص يبعث على الريب فيما تضمنه ذيلها، والثانية صريحة فيما تضمنه ذيل الأولى، ويمكن حملها عليها جمعًا، ثم إن ظاهر الثانية بقاء أجرته في ذمّة أبيه، بخلاف الأول، هذا واحتمال وحدة الواقعة في الروايتين قريب، ولكن السند مختلف والسائل أيضًا مختلف، ومن البعيد أن يكون حفص هو خطّاب.

يتبع = 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] - اعلم أنَّ أقسام المال الذي يتعذر إيصاله لمالكه ثلاثة لا غير:

أولها: العين الخارجية المتميزة، التي لا يمكن إيصالها لمالكها إما لجهله به، وإما لجهله بمكانه مع علمه به، وإما لمانع يمنع من الوصول إليه مع علمه به وبمكانه.

ثانيها: العين الخارجية المشتبهة بغيرها مع تعذّر تمييزها، كالمال الحرام المختلط بالحلال اختلاطًا يمنع من تمييزها، وهذا الاختلاط قد يكون مؤديًا للإشاعة كاختلاط الزيت والحنطة بمثليهما، وقد لا يكون كذلك كالشاة في القطيع.

ثم إنه قد يكون معلوم الجنس والمقدار، وقد يكون مجهول الجنس والمقدار كما لو علم بوجود مال محرم في أعيان ماله ولكنه لا يدري أنه صاع أو صاعين على تقدير كونه من الأطعمة أو واحد أو اثنين على تقدير كونه من الحيوانات، وقد يكون معلوم الجنس ومجهول المقدار كما لو علم أن في ماله حنطة مغصوبة يجهل مقدارها، وقد يكون معلوم المقدار ومجهول الجنس كما لو علم أنَّ في ماله صاعًا في مثله، ولكنه لا يعلم أنه في الزبيب أو في الحنطة أو غيرهما مما يكال بالصاع، وكما لو علم بوجود حيوان واحد في ضمن ما يملك من أصناف الحيوانات ولكنه لا يدري أنها بقرة أو شاة أو غيرهما.

ثالثها: المال الذي يكون في الذمّة، وهذا المال قد يكون معلوم الجنس والمقدار، وقد يكون مجهولهما، وقد يكون معلوم الجنس ومجهول المقدار، وقد يكون معلوم المقدار ومجهول الجنس، وتأتي الصور الثلاثة المتقدمة بالنسبة للمالك في جميع هذه الأقسام (منه قده) .

[2] - الوسائل، ب 5 من أبواب اللقطة ح3 .

[3] - الوسائل، ب 7 من أبواب اللقطة ح2.

[4] - الكافي، دار الكتب الإسلامية، ط3: 5/309، حديث 22.

[5] - الوسائل، ب18 من أبواب اللقطة ح1.

[6] - أي الشدة.

[7] - الوسائل، ب47 من أبواب ما يكتسب به ح1.

[8] - الوسائل، ب22 من أبواب الدَّين والقرض ح1.

[9] - المصدر السابق، نفس الباب ح2.

[10] - المصدر السابق، نفس الباب ح3.

[11] - الوسائل، ب 6 من أبواب حكم ميراث الخنثى وما أشبهه ح1.

 

.

تتمة مقال = المال الذي يتعذر إيصاله لمالكه

التاسعة: صحيحة داوود بن أبي يزيد عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: (قال: إني قد أصبت مالاً وإني قد خفت فيه على نفسي، ولو أصبت صاحبه دفعته إليه وتخلصت منه، قال: فقال له أبو عبد الله (عليه السلام): والله أن لو أصبته كنت تدفعه إليه؟ قال: إي والله، قال: فأنا والله ما له صاحب غيري، قال: فاستحلفه أن يدفعه إلى من يأمره، قال: فحلف، فقال: فاذهب، فاقسمه في إخوانك، ولك الأمن مما خفت منه، قال فقسمته بين إخواني)([1]).

قال في الوسائل ورواه الصدوق بإسناده عن الحجّال، قال الصدوق: كان ذلك بعد تعريف سنة.

العاشرة: صحيحة زرارة، قال: (سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن اللقطة؟ فأراني خاتمًا في يده من فضّة، قال: إن هذا مما جاء به السّيل، وأنا أريد أن أتصدّق به)([2]).

قلت: التعريف بما أتى به السّيل متعذّر، فيجري عليه حكم مجهول المالك، وأما صحيحة داوود فظاهر الصدوق حملها على اللقطة اجتهادًا، ويحتمل أن يكون ما ذكره رواية مرسلة، وعلى كل حال فقوله فيها (إني قد أصبت مالاً)، ليس ظاهرًا في كونه بنحو اللقطة ولا في كونه بطريق آخر.

ومن أجل هذا يمكن حملها على كل من مجهول المالك وعلى اللقطة التي لا يمكن تعريفها، والجامع بينهما اليأس عن الوصول لمالكه، كما يشهد بذلك قول السائل: (ولو أصبت صاحبه دفعته إليه) ويكون قوله (عليه السلام): (ما له صاحب غيري) دليلاً على أن هذا النوع له (عليه السلام) أو على أن ولايته له.

الحادية عشرة: رواية نصر بن حبيب صاحب الخان، قال: (كتبت إلى عبدٍ صالح (عليه السلام)، لقد وقعت عندي مائتا درهم وأربعة دراهم، وأنا صاحب فندق، ومات صاحبها، ولم أعرف له ورثة فرأيك إعلامي حالها وما أصنع بها فقد ضقت بها ذرعًا؟ فكتب: اعمل فيها وأخرجها صدقة قليلاً قليلاً حتى يخرج).

قلت: مال الميت الذي لا وارث له للإمام (عليه السلام)، والنصوص وافية بذلك، وما يعارضها محمول عليها جمعًا، والظاهر أن حكم مال الميت الذي لا يمكن معرفة وارثه حكم مال الميت الذي لا وارث له، على أنه يمكن أن يكون أمره بالتصدق به تدريجًا في رواية نصر والتصدّق به في رواية داوود المتقدّمة لكون المال ماله وهو مسلّط عليه.

الثانية عشرة: رواية الهيثم ابن أبي رَوْح صاحب الخان، قال: (كتبت إلى عبدٍ صالح (عليه السلام): إني أتقبّل الفنادق فينزل عندي الرجل، فيموت فجأة ولا أعرفه ولا أعرف بلاده ولا ورثته، فيبقى عندي كيف أصنع به؟ ولمن ذلك المال؟ قال: اتركه على حاله)([3]).

الثالثة عشر: حسنة محمد بن القاسم بن فضيل بن يسار عن أبي الحسن (عليه السلام): (في رجل صار في يده مال لرجل ميت لا يعرف له وارثًا، كيف يصنع بالمال؟ قال: ما أعرفك لمن هو، يعني نفسه)([4]).

الرابعة عشرة: ما ورد من الأمر بالتصدق بغلّة الوقف المجهول أربابه - كما ذكره شيخنا المرتضى رحمه الله - ولم أجده فيما تتبعت([5]).

الخامسة عشرة: الصحيحة إلى علي بن ميمون الصائغ، ولعله حسن، قال: (سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عمَّا يكنس من التراب فأبيعه، فما أصنع به؟ قال: تصدق به، فإما لك وإما لأهله، قال: قلت: فإنَّ فيه ذهبًا وفضة وحديدًا، فبأي شيء أبيعه؟ قال: بعه بطعام، قلت: فإن كان لي قرابة محتاج أعطيه منه، قال: نعم).

السادسة عشرة: المصحّحة إلى عليّ الصائغ، قال: (سألته عن تراب الصواغين وأنَّا نبيعه، قال: أما تستطيع أن تستحله من صاحبه، قال: قلت: لا، إذا أخبرته اتهمني، قال: بعه، قلت: بأي شيء نبيعه؟ قال: بطعام، قلت: فأي شيء أصنع به؟ قال: تصدق به، إما لك وإما لأهله , قلت: إن كان ذا قرابة محتاجًا أصِلُه؟ قال: نعم)([6]).

 قلت: وجه الاستدلال بهما هو ظهورهما في جواز التصدّق بثمن ذلك التراب المعلوم المالك في الجملة لتعذّر إيصاله لأهله بسبب اختلاطه وتعذّر تمييزه، وعدم وجوب التحلّل من جهة خوف التهمة التي يتضرر بها المتحلّل ولا يستفيد منها المالك، لأنَّه لو أراد حقّه بخصوصه لم يشتره منه أحد، ويحتمل أن يكون لتراب الصاغة موضوعية من جهة عدم اعتناء العقلاء به، لأن قليله لا يباع، وكثيره لا للواحد عادة أو غالبًا فيكون مما أعرض عنه مالكه.

مضافًا إلى تعذّر جمع التراب من كل قطعة مستقلاً أو تعسّره، لكون قيمة وقت الصائغ الذي ينفقه في حفظه وجمعه وتأمينه من الاختلاط أكثر من قيمته.

وبالجملة حكم هذا التراب هو وجوب التصدق به، وما يقال به مما يخالف ذلك فهو من الاجتهاد في مورد النص([7]).

ثم إنَّ هذه المسألة سيّالة:

منها: ما يجتمع عند الخياطين من القصاصات، ثم بعد اجتماعه يصبح له قيمة كما هو الحال في هذا الزمان.

ومنها: ما يجتمع من نفايات الأخشاب في معامل النجارة.

ومنها: ما يجتمع في معامل التنك والحديد والصفر.

ومنها: ما يجتمع في محلات بيع الأطعمة من الشعير والحنطة وسائر الحبوب، مما يتساقط من الباعة أثناء وزنه وإفراغه ونقله.

ومنها: ما يجتمع في معاصر الزيتون ومطاحن الحبوب وما أشبه ذلك.

المقام الثاني: في بيان ما يستفاد من النصوص المذكورة بالنسبة لكل نوع من أنواع المال الذي لا يمكن إيصاله لأصحابه

وأنواعه كثيرة وأحكامه مختلفة:

النوع الأول: ما يكون عينًا خارجية متميّزة ويكون معلوم المالك سواء كان معلومًا بالعلم التفصيلي أو الإجمالي المنجّز، وهذا النوع يجب إيصاله لمالكه أو من يقوم مقامه، كالولي الخاص أو العام أو الوكيل، فإن تعذّر فله حكم خاص.

النوع الثاني: ما يكون عينًا خارجية متميزة ويكون مجهول المالك، كالمال الذي أضاعه صاحبه فوجده آخر، وهذا هو اللقطة، وحكمه يؤخذ من مباحث اللقطة لأنَّ أحكام اللقطة مختلفة.

النوع الثالث: ما يكون عينًا خارجية متميّزة ويكون مجهول المالك بالمعنى الأخص، وذلك كالدراهم التي وجدها الرجل في بعض بيوت مكة، كما في موثقة إسحاق، وكالأمتعة التي نسيها رفيقهم معهم عند عودتهم من الحج، كما في مصححة يونس، وكالمال الذي مات صاحبه ولا يعرف وارثه كما في روايتي صاحب الخان، بناءً على أنَّ موردهما عدم معرفة الوارث لا عدم وجود الوارث، وحكم هذا المال هو وجوب التصدّق به بعد الفحص عن مالكه، واليأس من معرفته.

ومن هذا الصنف الأمانة التي نسي الوَدَعي صاحبها، والثوب الذي أطارته الريح فوقع في منزل غير منزل صاحبه ولم يعرفه، والشاة التي دخلت في غير قطيعها بل والمال الذي اغتصبه أو دخل عليه بمعاملة فاسدة ولم يعرف صاحبه، ومنه المال الذي ينساه صاحبه في بيتِ آخر أو في حانوته، ومنه ما يتناوله من الثياب والأحذية في الحمام أو الفندق أو المسجد معتقدًا أنه له، وما أشبه ذلك مما هو معلوم الجنس ومجهول المالك، ولا يمكن إيصاله لمالكه.

وحكم هذا الصنف وجوب التصدق به بعد الفحص عن مالكه واليأس منه، عملاً بمقتضى النصوص المتقدمة بعد حمل بعضها على بعض للقطع بعدم الخصوصية.

ثم إنه في كون مجهول المالك للإمام (عليه السلام) - كما هو ظاهر صحيحة داوود - أو كونه مما يجب التصدق به، كما هو ظاهر سائر الروايات، وجهان؟

 ثم إنه بناءً على وجوب التصدق به، ففي كون ولاية التصدق للإمام (عليه السلام) أو لمن هو بيده وجهان، وقد تعرضنا له مفصلاً في كتابنا الخمس من مباني العروة الوثقى([8])في مبحث وجوب الخمس في المال الحلال المختلط بالحرام، وقد قوّينا وجوب التصدّق به وقلنا بأنَّ ولاية التصدق به للإمام (عليه السلام)، فقلنا ما يلي:

إنَّ مقتضى هذه الروايات هو وجوب التصدق به بعد اليأس من معرفة صاحبه، أما وجوب التصدّق به فلصراحة النصوص فيه، وأما اشتراط اليأس فلأنَّه هو القدر المتيقن مما هو خلاف القواعد.

مضافًا إلى إمكان استظهاره من النصوص كما لا يخفى على من لاحظها، وعلى هذا لا يجب انتظار الحَول مع اليأس من العثور على المالك ولا يُكتفى به مع احتمال العثور عليه للأصل، ولا تعارض هذه الروايات روايات اللقطة ولا رواية حفص بن غياث الواردة فيما يودعه اللص([9])لاختلافها موردًا، فإنَّ مورد روايات اللقطة ضياع المال وجهل المالك، ومورد ما يودعه اللص واضح، وموردهما مخالف لمورد روايات مجهول المالك الذي هو معلوم الشخص ومجهول المكان، ولا تعارضها أيضًا روايات المال الحلال المختلط بالحرام، لأنَّ مورد روايات مجهول المالك العلم بالمال وبمالكه والجهل بمكانه، وهو غير مورد روايات المال المختلط بالحرام بالضرورة.

 يتبع =

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] - الوسائل، ب7 من أبواب اللقطة ح1.

[2] - المصدر السابق ، نفس الباب ح3.

[3] - الوسائل، ب6 من أبواب ميراث الخنثى وما أشبه ح 3-4 .

[4] - الوسائل، ب3 من أبواب ضمان الجريرة والإمامة ح13 .

[5] - راجع: المكاسب، الشيخ الأنصاري، مؤسسة الهادي، ط1: 4/33، وهي رواية علي بن راشد قال : سألت أبا الحسن عليه السلام قلت : (جعلت فداك اشتريت أرضًا إلى جنب ضيعتي بألفي درهم ، فلما وفيت المال خبرت أن الأرض وقف ، فقال : لا يجوز شراء الوقف ولا تدخل الغلة في مالك وادفعها إلى من وقفت عليه ، قلت : لا أعرف لها ربا قال : تصدق بغلتها)، الوسائل ، مؤسسة آل البيت: ج17، ب17 من أبواب عقد البيع وشروطه ح1.

[6] - الوسائل: ب 16 من أبواب الصرف ح 1-2.

[7] - لاحظ ما ذكرناه في التعليق على روايتي تراب الصاغة في كتابنا الخمس من مباني العروة الوثقى ص 112 (منه قده).

[8] - الخمس من مباني العروة الوثقى، الطبعة الأولى، 1978م، الموافق 1398هـ: ص113.

[9] - الوسائل: كتاب اللقطة ، وأما رواية حفص فهي في باب 18 من أبواب اللقطة .

 

.

تتمة مقال = المال الذي يتعذر إيصاله لمالكه

إذا عرفت هذا فاعلم أنَّ المحتملات في باب مجهول المالك ثلاثة:

أولها: أن يكون ملكًا للإمام (عليه السلام) على نحو ملكيّته لميراث من لا وارث له.

ثانيها: أنه ليس له، ولكن ولاية التصرف فيه له.

ثالثها: كون ولاية التصرف فيه لمن هو بيده.

وتنشأ هذه الاحتمالات من اختلاف الفهم بالنسبة إلى النصوص، فقوله (عليه السلام) في رواية داوود: (واللهِ ما له مالك غيري) إن كان المقصود منه كونه له بالعنوان الأوليّ لأنَّه فُقد منه أو أضاعه بعض غلمانه، تكون الرواية خارجة عن مجهول المالك موضوعًا، وتكون سائر النصوص دالة على وجوب التصدّق به بلا معارض.

وإن كان المقصود منه كونه له بالعنوان الثانوي نظير ميراث من لا وارث له، تكون دالّة على ملكيته له بهذا النحو.

وإن كان المقصود منه كون ولاية التصرف فيه له فقط، كانت دالة على منع من هو بيده من التصرف فيه بغير إذنه.

وعلى جميع التقادير تكون ولاية التصرف فيه له، إما لأنَّه يملكه فيكون مسلّطًا عليه، وإما لأن ولاية التصرف فيه له، وأما احتمال كون ولاية التصرف فيه لمن هو بيده فإنَّه ناشىء من ملاحظة النصوص المتضمنة لأمره إياه بالتصدّق به.

وفيه: أنّ أمره بذلك كما يمكن أن يكون من جهة كون ولاية التصرف فيه لمن هو بيده، يمكن أيضًا أن يكون من جهة أن ولاية التصرف فيه للإمام (عليه السلام) ويكون أمره إياه بالتصدق به من باب الإذن بذلك.

إذا عرفت هذا فاعلم أنه يمكن أن يقال بأن القرائن المقامية توجب القطع بأنه ليس له بالعنوان الأوليّ، لأنَّه لو كان له لكان المناسب تعرضه لفقدانه أو ضياعه، ولَذَكَر الجنس والمقدار وسائر العلامات، ولَأَمره بدفعه إليه، لأن طبيعة المالكين تدعو للمطالبة بما لهم لا إلى التصدّق به، فالأمر بالتصدّق قرينة على أنه ليس له على نحو الملكية الشخصية، والتصدّق وإن كان يناسب مقام الإمام ولا سيما مع احتمال تطرق التهمة، إلا أن ذكر الجنس والمقدار وسائر العلامات كافٍ في دفع التهمة، هذا مضافًا إلى أنَّ السائل إنما سأله عن حكم هذا المال الذي لا يعرف صاحبه، فالواجب حمل الجواب على ما هو مقتضى السؤال، ولا سيما وأن ذكر الحكم هو الذي يناسب منصب الإمامة، فحمله على الإذن بصرف ماله الخاص مخالف لجهة السؤال.

والمناقشة في هذه الأمور ممكنة والذبّ عنها كذلك، إلاَّ أنَّ ذلك لا يخرجها عن كونها بابًا من أبواب تقريب الاستظهار.

ويمكن أن يستفاد ذلك أيضًا من قوله (عليه السلام): (ولك الأمن مما خفت منه)، بدعوى أنَّ السائل لو فهم منه أنه ملكه الخاص بالعنوان الأوليّ لم يبق حاجة إلى تأكيد الأمان.

وعلى هذا يتعين كون المقصود بالفقرة المذكورة إمَّا كونه له بالعنوان الثانوي نظير ميراث من لا وارث له، وإمَّا كون ولاية التصرف فيه له، ويكون المعنى ليس له صاحب يسوغ له التصرف فيه غيري.

إن قلت: لما لا يقال: الرواية ظاهرة في ملكيته له بالعنوان الثانوي بمقتضى ما قدمناه من القرائن، وحينئذ تكون هذه الرواية من قسم المبيّن وتكون سائر الروايات من قسم المهمل، ومقتضى القواعد حمل المهمل على المبيّن.

قلت: هذا معنىً لا بأس به بل لعله هو الذي فهمه غير واحد من الفقهاء، ومنه يتضح أنه لا منافاة بين هذه الرواية وبين سائر الروايات، وأنَّ مصرف مثل هذا المال الراجع له بالعنوان الثانوي هو التصدّق به، والله المسدد.

ومن ذلك يتضح أنَّ ولاية التصدق به للإمام وليست لمن بيده المال، ويؤيد ذلك أصالة عدم ولاية من هو بيده وعموم ولاية الإمام (عليه السلام)، وليس في النصوص شيء واضح يقتضي ولاية من بيده المال إلا احتمال استفادة ذلك من أمره له بالتصدّق به، ولكنْ هذا احتمال معارَض باحتمال كون ذلك إذنًا له بالتصدّق به، ومع الشك فمقتضى الأصل عدم جواز تصدّقه به إلا بعد الاستئذان منه أو من نائبه، والله العالم.

ثم إنَّ حكم المال الذي أودعه اللصّ المسلم، هل هو حكم اللقطة من حيث وجوب التنذير سنة؟ أو حكم مجهول المالك من حيث وجوب الفحص عن مالكه إلى أن يحصل اليأس، سواء قلَّت مدة الفحص أو طالت؟ وجهان.

مقتضى الجهل بالمكان هو الثاني، ومقتضى قوله (عليه السلام) في الرواية الثانية ( هو بمنزلة اللقطة ) هو الأول.

النوع الرابع: ما يكون عينًا خارجية غير متميزة، ويكون مجهول الجنس والمقدار والمالك، وهذا هو القدر المتيقن من الروايات المتضمنة لوجوب الخمس في المال الحلال المختلط بالحرام، وأما إذا كان معلوم المقدار تفصيلاً، فلا ينبغي الريب في خروجه من هذه المسألة، ويتضح حكم ما إذا علم أنه أقل من الخُمس أو أكثر ولم يعلم مقداره بملاحظة ما ذكرناه في كتابنا الخمس من مباني العروة الوثقى([1])، وقلنا ما يلي:

أقول: المشهور شهرة عظيمة وجوب الخمس في المال الحلال المختلط بالحرام، وهو المحكي في الجواهر عن النهاية والغنية والوسيلة والسرائر والنافع والقواعد والتذكرة والمنتهى والإرشاد والتحرير واللمعة والبيان وحواشي البخارية والتنقيح والروضة وحاشية الإرشاد والحدائق والرياض وغيرها، بل عن المنتهى نسبته إلى أكثر علمائنا، وعن المفاتيح إلى المشهور، وعن ظاهر الغنية أو صريحها الإجماع عليه([2])، وعن البيان أن ظاهر الأصحاب ذلك([3]).

هذا وعن القديمين والمفيد وسلاَّر وغيرهم أنهم لم يتعرّضوا له، وعدم تعرّضهم له ظاهر في كونهم لا يقولون بوجوب الخمس فيه، وعن صاحب المدارك والكاشاني والخراساني الميل إلى عدم وجوب الخمس فيه، والرجوع للقواعد، وعن مجمع البرهان أنه تأمّل في وجوب الخمس فيه([4])، وعن صاحب المدارك أنه قال: [والمطابق للأصول وجوب عزل ما يتيقن انتفاؤه عنه والتفحص عن مالكه إلى أن يحصل اليأس من العلم به فيتصدّق به على الفقراء كما في غيره من الأموال المجهولة المالك، وقد ورد التصدّق بما هذا شأنه في روايات كثيرة مؤيدة بالإطلاقات المعلومة وأدلة العقل، فلا بأس بالعمل بها إن شاء الله تعالى]([5]).

وعن المستند([6])أنه أطال المناقشة في نصوص الباب، تارة من جهة صحة النسخ، وأخرى من جهة الدلالة، وثالثة من جهة المعارضة بما دل على حلّ المختلط مطلقًا أو على حلّ المختلط بالحرام بالربا.

إذا عرفت هذا فاعلم: أن مقتضى القواعد الأوليّة، أن كل ما يعلم المكلف بأنه ليس له، عينًا أو مقدارًا، يجب دفعه لمالكه أو من يقوم مقامه إن كان يعرفه، وإلا جرى عليه حكم مجهول المالك. وأما إذا لم يعرفه عينًا ولا مقدارًا، فالمتعيّن الصلح مع أربابه إن كان يعرفهم، وإلا فمع الحاكم الشرعي.

ثم إنه بناء على وجوب الخمس فيه، فهل يكون مصرفه مصرف الخمس، أو يكون مصرف مجهول المالك لشمول أدلته له، ولقوله (عليه السلام) في موثقة السكوني الآتية: (تصدّق بخمس مالك)؟ احتمالان.

والأصل في هذه المسألة عدّة روايات:

أولها: صحيح عمار بن مروان قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: (فيما يخرج من المعادن، والبحر، والغنيمة، والحلال المختلط بالحرام، إذا لم يعرف صاحبه، والكنوز: الخمس)([7]).

ثانيها: رواية الحسن بن زياد عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: (إن رجلا أتى أمير المؤمنين (عليه السلام) فقال: يا أمير المؤمنين إنَّي أصبت مالا لا أعرف حلاله من حرامه، فقال له: اخرج الخمس من ذلك المال، فإنَّ الله عز وجل رضي من ذلك المال بالخمس، واجتنب ما كان صاحبه يُعلم).

ثالثها: ما أرسله الصدوق رحمه الله، قال: (جاء رجل إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) فقال: يا أمير المؤمنين أصبت مالاً أغمضت فيه أفَلي توبة؟ قال: ائتني بخمسه فأتاه بخمسه فقال: هو لك، إن الرجل إذا تاب تاب ماله معه).

رابعها: موثقة السكوني، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: (أتى رجل أمير المؤمنين (عليه السلام) فقال: إني كسبت مالاً أغمضت في مطالبه حلالاً وحرامًا، وقد أردت التوبة ولا أدري الحلال منه والحرام، وقد اختلط عليَّ، فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): تصدق بخمس مالك فإنَّ الله قد رضي من الأشياء بالخمس، وسائر المال لك حلال).

وهذه الرواية رواها المشائخ الثلاثة، والبرقي في المحاسن، والمفيد في المقنعة([8]).

خامسها: موثقة عمار عن أبي عبد الله (عليه السلام): (أنه سئل عن عمل السلطان يخرج فيه الرجل، قال: لا، إلا أن لا يقدر على شيء يأكل ولا يشرب ولا يقدر على حيلة، فإن فعل فصار في يده شيء فليبعث بخمسه إلى أهل البيت)([9]).

سادسها: ما عن المفيد في الزيادات أنه أرسل عن الصادق (عليه السلام): عن رجل اكتسب مالاً من حلال وحرام، ثم أراد التوبة من ذلك، ولم يتميّز له الحلال بعينه من الحرام، فقال عليه السلام: (يخرج منه الخمس وقد طاب، وإن الله تعالى طهَّر الأموال بالخمس)([10]).

يتبع =

 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] - الخمس من مباني العروة الوثقى، الطبعة الأولى: ص102.

[2] - راجع جواهر الكلام: 16/70، (وجوب الخمس في المال المختلط بالحرام).

[3] - راجع جواهر الكلام: 16/72.

[4] - جواهر الكلام: 16/71.

[5] - مدارك الأحكام، مؤسسة آل البيت، ط1: 5/388 (وجوب الخمس في المال المختلط بالحرام).

[6] - راجع المستمسك، الحكيم، مطبعة الآداب، النجف: 9/490.

[7] - الوسائل: ب3 من أبواب ما يجب فيه الخمس ح 6.

[8] - كما ذكر صاحب الوسائل بعد إيراده هذه الرواية.

[9] - الوسائل: ب10من أبواب ما يحب فيه الخمس ح 1-3-4-2.

[10] - المقنعة،الشيخ المفيد، جامعة المدرسين، قم: ص283، وروى في الوسائل نحوه بتفاوت: ب10 من أبواب ما يجب فيه الخمس ح4.

 

.

تتمة مقال = المال الذي يتعذر إيصاله لمالكه

إذا عرفت هذا فاعلم أن الأقوى ما ذهب إليه المشهور لوجود المقتضي لذلك وفقد المانع. أما وجود المقتضي فلظهور هذه الروايات في المطلوب، ولصحة سند بعضها بنفسه كصحيحة عمار بن مروان، وانجبار الضعيف منها بالعمل، وأما انتفاء المانع فلأن المناقشات المحكية أو التي يمكن أن تدَّعى كلها مدفوعة، وهي أمور:

أولها: أن الخمس ليس صريحًا في كونه على نحو الخمس المتعلّق بالغنيمة والمعدن والكنز، ولا سيما بعد التصريح بالتصدّق في رواية السكوني، لقوله عليه السلام فيها: (تصدّق بخمس مالك).

وفيه: أنه بعد الجمع في صحيحة عمار بين ما يخرج من المعادن والبحر والغنيمة والكنوز، وبين الحلال المختلط بالحرام، يكون صريحًا أو بمنزلة الصريح في المطلوب، لأنَّه (عليه السلام) جعل الخمس في هذه الأمور كلّها على نحو التشريك.

هذا مضافًا إلى ظهور الخمس في الخمس بالمعنى المعروف، إما لدعوى كونه حقيقة فيه عند المتشرّعة في عهد الصادقين (عليهما السلام)، وإما لمعهوديته معهوديةً توجب انصرافه إليه كما اعترف به صاحب الجواهر في جواهره([1])وشيخنا المرتضى في الملحقات وسيدنا الأستاذ في مجلس الدرس([2])، وحينئذ يتعيّن التصرف بقوله (عليه السلام) في رواية السكوني: (تصدق بخمس مالك) بحمله عليه لأظهريته، ولا سيما بملاحظة ما قيل من أنَّ الخمس صدقة بالمعنى الأعم، وأنه أطلق عليه كثيرًا كما في الملحقات وإن كنا لم نتحقّقه.

ولو فرض عدم إمكان التصرف بالتصدّق بحمله على الخمس، فلا بدّ من تقديم غيرها عليها لأصحيّته سندًا كصحيحة ابن مروان أو لجبره بالعمل كسائر الروايات.

ثانيها: أنَّ أكثرها ضعيف.

وفيه: أنَّه مسلَّم ولكن ذلك لا يضرّ بعد كون بعضها صحيحًا بالمعنى الأخصّ والبعض الآخر صحيح بالمعنى الأعمّ، ونعني بكونه صحيحًا بالمعنى الأعم انجباره بالعمل.

ثالثها: أنه يحتمل أن تكون قصة الرجل مع أمير المؤمنين واقعة واحدة، وعليه فتكون رواية ابن زياد ومرسلة الصدوق ورواية السكوني رواية واحدة، حيث إنَّ رواية السكوني اشتملت على الأمر بالتصدق بخمس المال، فتكون هذه الروايات مضطربة.

وفيه: أنَّ ذلك محتمل ولكنه خلاف الظاهر، وكل احتمال يكون على خلاف الظاهر لا دليل على حجيته وإن بلغ مرتبة الظن فضلاً عما إذا لم يبلغها، ولو بني على الاعتناء بمثل هذه الاحتمالات والعمل بها للزم الهرج والمرج في الفقه، هذا مضافًا إلى أنَّ اشتمال رواية السكوني على الأمر بالتصدّق بخمسه قرينة واضحة على التعدّد، لاستبعاد كونه من النقل بالمعنى، فإنَّ الراوي إذا نقل الرواية بالمعنى لا يتجاوز تبديل الألفاظ الواضحة بمثلها.

رابعها: أنَّ رواية السكوني التي رواها المشائخ الثلاثه والمفيد ورواها البرقي في المحاسن، لم يجدها صاحب المستند في نسخة المحاسن الموجودة عنده([3]).

وفيه: أنَّ رواية المشائخ والمفيد لها تكفي في ثبوتها، وعدم وجودها في نسخة المحاسن الموجودة عنده لا يضر، وبالجملة بعد رواية غيره لها عنها ينحصر التشكيك في نسخته.

خامسها: أنَّ موثقة عمار المتضمِّنة لتولية أعمال السلطان ظاهرة في كون كل ما بقي عنده من كسبه المحرم، وحينئذ فلا يكون موردها الحلال المختلط بالحرام، وعليه فهي أجنبية عمّا نحن فيه.

وفيه: أنَّه لو سلِّم، كان غيرها من النصوص كافيًا في المطلوب، انتهى.

والظاهر أنَّ الحكم المذكور آنفًا لا يختلف باختلاف السبب، فلا يفرق بين كون اختلاطه بسبب التسامح واللامبالاة كما هو ظاهر قول السائل (أغمضت في مطالبه) وبين كونه بسبب التعمد كما هو شأن اللصوص والمرابين والمقامرين.

النوع الخامس: الاختلاط المتميز السبب، وله أمثلة:

منها: ما لو لم يخرج زكاة ماله مدّة العمر فاختلطت بأمواله الأخرى كما لو باع الإبل بالضأن، وباع الضأن بالغلَّات فتعلّقت الزكاة فيها وهي في ملكه، وباع الغلَّات بإحدى النقدين، ولم يعرف مقدار ما وجب عليه من زكوات هذه الأمور، وفي هذه الصور لا تطهر أمواله بإخراج خمسها، وإن احتمل كون الزكاة بمقداره، بل لا بد من تطهيرها بإخراج الزكاة، فيضمن القدر المتيقن المثلي بمثله، ويضمن ما عداه بالقيمة، ولا بد هنا من مراجعة ولي الزكاة، ولا فرق في ذلك بين ما لو تلفت جميع أمواله بعد هذه التقلبات أو بقي شيء منها، وفي الاكتفاء بإخراج ما يتيقنه من كل صنف وجه، لكون المورد من باب دوران الأمر بين الأقل والأكثر المتباينين.

ومنها: ما لو غصب شاةً أو سرقها أو دخلت في قطيعه ولم يعرف صاحبها، ثم توالدت وطال الزمان وتعذّر عليه تمييزها وتمييز ما ولد منها، فإنَّه يجري عليها حكم مجهول المالك.

ومنها: ما لو وجد شاة ضالّة وأهمل التنذير عليها، ثم توالدت واختلطت وتعذّر عليه التمييز، فإنَّه يجري عليها حكم اللقطة التي يتعذّر التنذير عليها، إما لنسيان الصفات، وإما لارتحاله في الصحراء من مكان إلى مكان.

والسبب في عدم تطهير هذا المال الحلال المختلط بالحرام في هذه الأمثلة الثلاثة وإن كان الحرام يقارب الخمس أو ينقص عنه أو يزيد، هو أنَّ هذه الأموال لها جهة معلومة تضاف إليها إضافة الملك، فتكون نظير معلوم المالك.

النوع السادس: المال الذي يكون في الذمة، وله صور من حيث المالك:

أولها: أن يكون معلوم المالك تفصيلاً: وحكمه واضح، فإنَّ التخلص منه يكون بمراجعة مالكه، سواء كان معلوم الجنس والمقدار أو مجهولهما كلاً أو بعضًا، فإنَّه إن كان معلوم الجنس والمقدار ضمنه له بمثله إن كان مثليًا، وبقيمته إن كان قيميًا.

 وإن كان معلوم الجنس مجهول المقدار تعين الأقل للأصل، ولو قيل بالاحتياط لأصالة اشتغال الذمّة لكون الشك في فراغها فله وجه، ولكن أصالة البراءة حاكمة على أصالة الاحتياط.

 وإن كان مجهول الجنس والمقدار تعيّن الصلح، وفي الاقتصار على الأقل أو تعيّن الاحتياط: وجهان.

ولو ادّعى عليه الأكثر، فإنَّ أقام البينة قضي له بها، وإلا كان على الضامن اليمين لنفي العلم بالأكثر، لا لنفيه واقعًا، لجهله به ولأنَّه منفي بالأصل، ولو امتنع الغريم من قبول ما دفعه، دفعه للحاكم، ولو امتنع عن الصلح تولاه الحاكم الشرعي.

ثانيها: أن يكون معلوم المالك في عدد محصور: وفي وجوب إرضاء الجميع - وهو الاحوط لأنَّه مقتضى أصالة الاشتغال - أو توزيعه عليهم بالسوية لقاعدة العدل والإنصاف نظير درهم الوَدَعي، أو القرعة، احتمالات.

ثالثها: أن يكون مجهول المالك: ويجب الرجوع فيه إلى الحاكم الشرعي، فإن كان معلوم الجنس والمقدار ضمنه بمثله إن كان مثليًا وبقيمته إن كان قيميًا.

وإن كان معلوم الجنس مجهول المقدار اكتفى بالأقل للأصل، وإن كان مجهول الجنس والمقدار تعين الصلح، وفي الاقتصار على الأقل أو تعيّن الأكثر وجهان، كما تقدم.

حكم المال المجهول المالك

إذا عرفت ما قدمناه، فاعلم أنَّ القدر المتيقن من النصوص أنَّ المال المجهول المالك الذي يجب التصدّق به أمران:

الأول: المال الذي يجهل صاحبه جهلاً مطلقًا كالدراهم التي وجدها مدفونة في بيت من بيوت مكة، وكالمال الذي أودعه اللصوص، وكالمال الذي اكتسبه أيام ولايته لبني أمية كما هو مورد موثقة إسحاق ورواية المشايخ الثلاثة، ورواية ابن أبي حمزة، وصحيحة داوود، وصحيحة زرارة الأولى وهي أول رواية من مجموع الروايات، والرواية الثالثة والرابعة، والتاسعة والعاشرة، وكلها ناظرة للأعيان الخارجية.

الثاني: المال الذي يُعرف صاحبه شخصيًا ولا يُعرف نسبه ولا بلده، كالمتاع الذي نسيه رفيقهم معهم، وكالدَّين الذي لرجلٍ عليه، وكالحق الذي لرجلٍ عليه، وكأجرة الأجير، وكالمال الذي مات عنه الرجل الذي كان عنده في الفندق، وكالمال الذي صار في يده لرجلٍ ميت لا يعرف له وارثًا، وهذه الرواية تكون مما نحن فيه إذا كان يعرفه، كما هو مورد مصحّحة يونس، وصحيحة زرارة الثانية، وصحيحة معاوية، وروايتي هشام بن سالم عن صاحبي الخان، ورواية محمد بن القاسم، وهي الثانية والخامسة والسادسة والسابعة والثامنة والحادية عشرة والثانية عشرة والثالثة عشرة، وهذه الروايات كلها ناظرة للأعيان الخارجية، ما عدا صحيحتي زرارة ومعاوية فإنَّ موردهما الدَّين، وهو أعيان ذمّية، ولفظ الحق في الثانية ظاهر فيه.

وأما المال الذي في الذمة والذي يجهل صاحبه جهلاً مطلقًا فلم تتعرض له النصوص.

ويمكن الاستدلال لوجوب التصدّق به بأمور:

أولها: ما دلّ على وجوب التصدّق بالأعيان الخارجية التي يجهل مالكها جهلاً مطلقًا بدعوى عدم الفرق.

ثانيها: ما دلّ على وجوب التصدّق بالدَّين بالأولوية، فإنَّ ما دلّ على التصدّق به مع معرفة الدائن، يدل على ذلك مع الجهل به بالأولوية لأنَّه دين يجهل صاحبه، فيكون داخلاً في صحيحة زرارة وصحيحة معاوية.

ثالثها: ما استدل به في الروضة([4])لمشروعية التصدّق بالدَّين وتبعه غيره، من أنَّ التصدّق به إحسان محض، فإن ظهر المالك ولم يرض به ضمنه له، لأنَّ التصدّق أنفع من بقاء المال المعرّض لتلفه.

وفيه: أنَّه استحسان محض لا دليل على حجيته، وأنَّه إذا بقي في ذمة الميسور الثقة ليس معرّضًا للتلف، اللهم إلا أن نقول إنَّه أيضًا معرّض للتلف باحتمال طروّ الفقر أو الجحود منه أو من ورثته.

والتحقيق: أنَّه فرق بين الدَّين وبين الأعيان الخارجية، فإنَّ الدَّين لا يتشخّص إلا بقبض الغريم، فالتصدق به محتاج إلى عملين وكل منهما مفتقر إلى الولاية:

أولهما: عملية الإفراز. ولا دليل على تشخّصه بإفراز المديون.

وثانيهما: عملية التصدّق. وهذا بخلاف العين الخارجية، ولكن بعد مراجعة الحاكم الشرعي الذي هو ولي على ذلك، يرتفع هذا الفرق.

وأما المال الذي يعرف صاحبه اسمًا ونسبًا وتشخّصًا ولكنَّه مجهول البلد، فإنَّ النصوص لم تتعرض له بخصوصه، نعم هو متحد ملاكًا مع ما أسلفناه كما هو واضح.

ودعوى الفرق عهدتها على مدّعيها فإنَّ الأجير والرفيق يُعرَف اسمه وشخصه ويُجهل نسبه وبلده، ومثال ما نحن فيه من يعرف اسمه ونسبه مثلاً ويجهل شخصه وبلده، وكلاهما يشتركان من حيث عدم التمكن من معرفته ليدفع إليه حقه.

انتهى المقال

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


[1] - جواهر الكلام: 16/72 حيث قال: [ونحوها ظهور لفظ الخمس في النصوص والفتاوى في ذلك بل لعله حقيقة شرعية فيه].

[2] - راجع المستمسك: 9/489، حيث قال: [وظاهر إطلاق الخمس في غيره الظاهر في الخمس المقابل للزكاة].

[3] - الموجود في مستند الشيعة، للمحقق النراقي، مؤسسة آل البيت، قم، ط1: كتاب الخمس: 10 ص41: قوله [بل وكذا رواية السكوني، حيث إن الموجود في النسخ المصححة التي رأيت من بعض كتب الحديث: (في مطالبه حلال وحرام). وعلى هذا، فيمكن أن يكون متعلق الإغماض محذوفًا، ويكون (في مطالبه) متعلقًا بقوله (حلال وحرام)، أي اكتسبت مالا وأغمضت، وفي مظان طلبه حلال وحرام، ولم أدر الحلال من الحرام في المطالب، فاشتبه لأجله ما اكتسبته، فأمر عليه السلام بأداء خمس المكتسب. بل يجري هذا الاحتمال على ما في أكثر نسخ كتب الفقه وبعض نسخ الحديث المصححة أيضا من نصب الحلال والحرام، فيمكن كونهما حالين من المطالب]اه.

[4] - الروضة البهية في شرح اللمعة الدمشقية، الشهيد الثاني، تحقيق كلانتر، قم، ط1، 1410هـ: 4/18.

 
115%