رسالة النجف

ابن الإنسان في الإنجيل

 

ابن الإنسان في الإنجيل

الشيخ حاتم إسماعيل1

إن كلمة [ابن الإنسان] من الكلمات التي تكرّر ورودها في الأناجيل الأربعة، إلى حدّ قد لا يمر إصحاح (فصل), أو صفحة دون ورودها فيها، وقد ارتبطت ارتباطًا وثيقًا بمفهوم الملكوت الوارد في الأناجيل.

ومن المتسالم عليه بين المسيحيين، أنه أريد بها في كافة موارد استعمالها شخصُ السيد المسيح (عليه السلام)، حتى صارت من أهم ألقابه في الذهن المسيحي، ولم نرَ أحدًا منهم أشار, أو احتمل إرادة غيره منها في أي مورد من الموارد.

ولقد اتفق المسيحيون على أن السيد المسيح (عليه السلام) هو الذي اختار هذا اللقب لنفسه، وأنه كان أحب الألقاب إلى نفسه الشريفة، حتى أنه [عندما كان يخاطب بلقب المسيح كان يستبدله بلقب ابن الإنسان]([i]).

وقد فضّلت الجماعة المسيحية الأولى هذا اللقب, على سائر الألقاب التي أطلقت عليه (عليه السلام) , من أمثال الربّ وابن الله وغير ذلك(


 

[2]).

وفي هذا المجال تطرح أمام الباحث عدّة أسئلة، لا بدّ من معالجتها، والوقوف عندها، في محاولة معرفة ما تنطوي عليه هذه الكلمة، وما ترمي إليه، وأهم هذه الأسئلة هي:

1-              ما هو المعنى المراد من كلمة ابن الإنسان؟

2-              لماذا أصرّ السيد المسيح (عليه السلام) على استخدامها في مختلف الموارد، مفضلاً لها على سائر الألقاب التي أطلقت عليه؟

3- وهل السيد المسيح (عليه السلام) هو المراد منها حصرًا، في كافّة الموارد المذكورة في الأناجيل، أم أنها تدل على غيره من الناس؟ وعلى الفرض الثاني لا بد من مطالعة النصوص، لنتبين ما إذا كانت تدل أو تشير إلى شخص أو أشخاص معينين أو لا؟

أولا: معنى ابن الإنسان:

مما لا شك فيه أن كلمة [ابن الإنسان] تعني - بحسب المعنى المتبادر منها - نفس معناها اللغوي، وهو الكائن البشري نفسه، ولا تحتمل أيّ معنى آخر، ما لم تقم قرينة خاصة تدل على خلاف هذا المعنى اللغوي.

وقد حرص السيد المسيح (عليه السلام), على استخدام هذا اللقب دون سواه, في كافة الموارد، التي تحدّث فيها عن نفسه الشريفة، كما أشرنا إليه وسيأتي.

إنّ صاحب التفسير الحديث للكتاب المقدس قد أفاض في الحديث عن دلالات هذه الكلمة في الأناجيل الأربعة، فقال ما حاصله: [إن عبارة [ابن الإنسان] في اللغتين العبرية والآرامية تعني ببساطة إنسانًا أو بشرًا، وتعني في الغالب إنسانًا ضعيفًا بالمقارنة مع الله تعالى] ([3]).

ولكن الكاتب ناقَضَ نفسه في نفس الكتاب، حيث يقول: [والقول بأنها جاءت هنا بمعناها الأساسي لتعني الإنسان بوجه عام إنما هو قول ليس له أي معنى]([4])، دون أن يذكر وجهًا لدعواه هذه.

ومن الظاهر أنه لا يمكن قبول هذا الادّعاء، لعدم استناده إلى أي دليل، مهما كان واهيًا، ولا تساعد عليه أيّة قرينة لفظية أو غيرها، ويمكن أن يستشعر عدم اقتناع الكاتب نفسه به، ولذلك أرسله إرسال المسلمات من دون ذكر وجه أو تبرير, خصوصًا بعدما تقدّم معناها منه نفسه.

ثانيا: علة استخدام المسيح لها:

وأما إصراره (عليه السلام) على استخدام هذا اللقب, وتفضيله على سواه من الألقاب والنعوت، التي كانوا يطلقونها عليه, حتى إنه كان إذا خوطب بلقب [المسيح] استبدله مستخدمًا في جوابه لقب ابن الإنسان([5])، فهو راجع بلا شك إلى أنه (عليه السلام) كان يريد التأكيد على بشريته, وأنه إنسان كسائر الناس, لا يختلف عنهم في طبيعته وحقيقته, وهو لا يخلو من دلالة على تزييف وإبطال دعوى ألوهيته, التي ظهرت إرهاصاتها منذ بداية دعوته الشريفة, واستمرّت بقوّة, لم تخلُ من العنف في كثير من الأحيان بعده.

وعلى ذلك، فيكون تأكيده على نعت نفسه بابن الإنسان، متوافقًا مع وصيته إلى أصحابه، في آخر رحلة له إلى أورشليم، حيث قال لهم: [اسهروا وصلّوا لئلا تدخلوا في تجربة. أما الروح فنشيط، وأما الجسد فضعيف]([6])، وإلا لم يكن بحاجة للتأكيد على أنه ذو بُعدين هما الروح والجسد, كما هو الحال في جميع الناس.

وقد شهد علماء اللاهوت المسيحي أنه كان (عليه السلام) يستخدم هذا اللقب للدلالة على نفسه، مستفيدًا من الكلام الوارد في سفر دانيال، والذي يتحدّث عن ابن الإنسان, والذي سوف يأتي ويملك في آخر الزمان([7]).

والملاحظ أن كلام دانيال يتحدث عن مُلك أرضي في آخر الزمان، يُقيمه موجودٌ بشري، ويُنفّذ أحكام الله تعالى ووصاياه، قال دانيال: [كنت أرى في رؤى الليل وإذا مع سُحب السماء مثل ابن إنسان أتى وجاء إلى القديم الأيام فقرّبوه قدامه، فأعطي سلطانًا ومجدًا وملكوتًا لتتعبد له كل الشعوب والأمم والألسنة. سلطانه سلطان أبدي ما لا يزول وملكوته ما لا ينقرض... والمملكة والسلطان وعظمة المملكة تحت كل السماء تعطى لشعب قديسي العلي. ملكوته ملكوت أبدي وجميع السلاطين إياه يعبدون ويطيعون]([8]).

وفي محاولة لتطبيق عنوان ابن الإنسان الوارد في سفر دانيال على السيد المسيح (عليه السلام)، وإثبات أنه هو الموعود بإقامة الملكوت في آخر الزمان, سعى كتَّّّاب الأناجيل والشرّاح والمفسّرون بكل ما أوتوا من قوة إلى التوفيق بينهما، قال في تفسير الكتاب المقدس: [كان اللقب [ابن الإنسان] يشير إلى المسيا، هذه بدون شك، هي الناحية التي أكَّدها الربّّ عند استعمال اللقب، وبإطلاق النسب على نفسه، كان يشهد أنه المسيا]([9]).

ثالثا: هل ابن الإنسان واحد؟:

إن حصر مفهوم ابن الإنسان بالسيد المسيح (عليه السلام) لم يكن خيارًا موفّقًا, ذلك أنه يؤدي إلى محاذير لا يمكن الالتزام بها, من لزوم التناقض والتهافت في نصوص الأناجيل, بالإضافة إلى عدم استناده إلى مبررات موضوعية وواقعية, تجمع بين قداسة النص وصحة الانطباق عند المسيحي.

وقد نشأت هذه الإشكالية من استئناس المسيحيين, وتسالمهم على أن مقيم الملكوت هو السيد المسيح (عليه السلام) , وأنه هو المسيا الموعود في آخر الزمان, وقد بحثنا مسألة الملكوت في دراسة سابقة, وأثبتنا هناك أن المسيح (عليه السلام) مجرّد مبشّر بها, وشاهد عليها, وداع إلى قبولها, والإيمان بمقيمها حين صدعه بالأمر.

إن ملاحظة نصوص الأناجيل والتأمل في مضامينها, يدل على أن كلمة [ابن الإنسان] الواردة فيها تعني, بعد الفراغ عن إرادة المعنى اللغوي المتقدّم, وإثبات أن من تطلق عليه مجرد كائن بشري, فيه من مواطن الضعف والقوة ما يقتضيه كونه موجودًا بشريًا، في مقابل صفات الكمال المطلق، والخاصة بالذات الإلهية المقدسة، بمعنى أن من يكون إنسانًا لا يمكن أن يتّصف بصفة الألوهية بأي حال من الأحوال، تعني إرادة شخصين منها أو أكثر بحسب موارد استعمالها في الأناجيل:

أحدهما: السيد المسيح (عليه السلام).

والآخر: مقيم الملكوت الموعود.

فإذا أمكن التفكيك بين الشخصين - وهو ما ندّعي أنه ظاهر في الأناجيل كما سنرى - أمكنت قراءة الأناجيل، قراءة موضوعية، وانسجمت مضامينها، دون أن نضطر إلى الالتزام بالتهافت بينها، ونبحث بالتالي عن تأويلات بعيدة، وتفسيرات فاسدة، في محاولة التوفيق بين هذه المضامين.

إلا أنه لا بد من الإشارة أولاً، إلى أن إشكالية تعميم إرادة السيد المسيح (عليه السلام) من سائر النصوص الواردة في ابن الإنسان، قد نشأت، بحسب الظاهر, من القراءة السطحية لإنجيل يوحنا، والذي يختلف في صياغته، والهدف من كتابته, عن الأناجيل الثلاثة الأخرى، حيث توحي هذه القراءة له بذلك، وإن كانت قراءته بدقّة وعمق لا تساعد على هذه الدعوى كما سنرى.

والظاهر أن الأمر الذي أوحى لهم بهذا الفهم هو أن الجماعة المسيحية الأولى قد كانت في بداياتها مقتصرة على اليهود الذين آمنوا بصدق دعوة السيد المسيح (عليه السلام) بحسب الأناجيل, والتي دلّت على أنه لم يرسل لغير بني إسرائيل، وهو ما أمر به تلاميذه ورسله. ومن المعلوم أن اليهود كانوا يعيشون تحت سيطرة الرومانيين آنئذ، وقد ملكوا عليهم كافة شؤونهم، بما فيها الشؤون الدينية نفسها, فقد أمسكوا بزمام الأمر كله, حتى صار تنصيب رئيس كهنتهم وعزله, بيد الرومانيين لا بأيديهم.

وهذا ما جعلهم ينتظرون مجيء المسيا, الذي سيقيم العدل بين الناس في آخر الزمان، حسب ما تدل عليه نبوءات العهد القديم، وكانوا على قناعة تامة بأن مقيم الملكوت هذا سيكون من بني إسرائيل، ولم يخطر في ذهن أحد منهم أن يكون من غير بني إسرائيل، وبعبارة أدق لا يستطيعون تقبل هذه الفكرة، رغم معرفتهم بها حق المعرفة.

وهذا بالحقيقة هو ما دفعهم إلى محاربة السيد المسيح (عليه السلام) وتكذيبه، ومحاولة قتله، عندما أظهر لهم حقيقة الأمر، وأنه مجرد شاهد للحقّ ومبشر به، بعدما كان الآلاف منهم قد اتبعوه وآمنوا به، اعتقادًا منهم أنه هو المخلص الموعود, والذي بلغ ذروة الصراحة عندما قال لهم: [... لذلك أقول لكم إن ملكوت الله ينزع منكم ويعطى أمة تعمل أثماره]([10]).

وأما الذين اتبعوه بعد ارتفاعه ورحيله، فإنهم سرعان ما وقعوا تحت تأثير بولس الرسول، الذي دخل المسيحية بعدما يئس من ضرب أنصارها بالقوة والقهر من الخارج، كما هو معلوم من سيرته ودعوته التبشيرية التي نأى بها عن اليهود، وتوجّه إلى الوثنيين ليدخلوا في الدين الجديد، فعمل على إثبات أن الخلاص لا بد وأن يكون بشخص السيد المسيح (عليه السلام)، كونه إسرائيليًا قبل كل شيء، ولهذا فقد حاول بولس تأويل النصوص التوراتية والإنجيلية، فأعطى مداليل نبوءاتها بُعدًا روحانيًا خالصًا، لا يمس واقع حياتهم الاجتماعية والسياسية، وغير ذلك مما يرتبط بواقعهم المعاش فعلاً, حتى في ما يرتبط بمعنى الملكوت الموعود.

لقد وقعت التعاليم البولسية هذه موقع القبول والرضا، لدى الأجيال التالية، ولم تعد قابلة للتشكيك والنقاش، بعدما قويت شوكته، وكثر أتباعه وأنصاره، وبعدما أفل نجم تلاميذ السيد المسيح (عليه السلام)، وضاعت مواعظهم وتراثهم، وهذا ما أدى إلى حصول الالتباس في فهم المسيحيين لمدلول كلمة [ابن الإنسان] على مر التاريخ، وأوقعهم في كثير من التناقض، والتعقيد في فهم النصوص الإنجيلية، التي أرادوا أن يفسروها طبقًا لخلفياتهم الذهنية، والتي فرضت نفسها على كتاباتهم المقدَّسة، خصوصًا وأن هذه القناعات تلامس وجدانهم وعقائدهم السابقة التي تربّوا عليها, وإن كانت مخالفة لتعاليم الأنبياء, ولعقائد اليهود جملةً وتفصيلاً.

مع أن مقتضى الالتزام الديني أن يعتمد تأسيس القناعات الدينية على النصوص المقدسة لا العكس, خلافًا لما فعله هؤلاء.

يتبع =

ـــــــــــــــــــــــــــــــــ

1. باحث إسلامي ومدرّس في الحوزة العلمية.

[i] - التفسير الحديث للكتاب المقدس، شرح إنجيل متى، ص35.

[2] - العهد الجديد بتعليق الآباء اليسوعيين، ص58 تعليق رقم 15.

[3] - التفسير الحديث للكتاب المقدس، إنجيل متى، ص35، بتصرف.

[4] - التفسير الحديث للكتاب المقدس، إنجيل متى، ص171، بتصرف.

[5] - التفسير الحديث للكتاب المقدس، إنجيل متى، ص35.

[6] - إنجيل متى: 26/41.

[7] - لاحظ مثلا: الدفاع عن المسيحية، الإنجيل بحسب متى، ص294.

[8] - سفر دانيال: 7/13-27.

[9] - تفسير الكتاب المقدس، ج5، ص37.

[10] - إنجيل متى: 21/43.

 

.

تتمة مقال = ابن الإنسان في الإنجيل

ابن الإنسان إنسان:

ذكرنا أن السيد المسيح (عليه السلام) قد أطلق عبارة [ابن الإنسان], وأراد بها نفسه الشريفة تارة, وشخصًا آخر تارة أخرى, ولكن ذلك من باب التطبيق على بعض معانيها, وليس لانحصار المعنى بهما, بل هو قد استعملها في معناها العام الشامل لكل إنسان, من حيث حقيقته وطبيعته.

ولا يخفى أنه (عليه السلام) أراد بهذا الاستعمال أن يبيّن انه ليست له أيّة خصوصية تميّزه عن سائر الناس من هذه الجهة, كما أراده المسيحيون, ذلك أن الإنسان قادر على اجتراح المعجزات, وان يفعل الأعاجيب, من حيث هو إنسان, شرط أن يُحسن علاقته بالله تعالى.

فقد قُدّم له مفلوجٌ ذات مرة, وكان مطروحًا على فراشه, وطلبوا منه أن يشفيه, فقال له يسوع [ثق يا بني. مغفورة لك خطاياك], فاعترض عليه قوم من الكتبة, وقالوا في أنفسهم هذا يجدف, فقال لهم: [لماذا تفكرون بالشرّ في قلوبكم, أيّما أيسر أن يقال مغفورة لك خطاياك. أم أن يقال قم وامش, ولكن لتعلموا أن لابن الإنسان سلطانًا أن يغفر الخطايا]([1]).

ولا شك في أنه (عليه السلام) أراد أن يبيّن قاعدة عامة, وهي أن الدعاء وحسن العلاقة بالله تعالى تمكّن الإنسان من أن يقوم بكل ذلك.

ويدل على هذه الحقيقة ويفسرها قول كاتب يوحنا: [وأعطاه سلطانًا أن يدين أيضًا لأنه ابن الإنسان]([2]).

حيث جعل ميزان سلطان الإدانة كونه إبنًا لإنسانٍ وليس شيئًا آخر, ولذلك ذكرها بصورة التعليل.

ولكن ذلك لا يعني عدم دلالة الأناجيل الأخرى على هذا العموم, وإن كانت أقل صراحة في الدلالة على ذلك, فإن قول كاتب إنجيل متى في ذيل الحديث من أن [الجموع قد تعجّبوا ومجّدوا الله الذي أعطى الناس سلطانًا مثل هذا] يكشف عن أن الجموع قد فهموا منه العموم, وأنه قانون ثابت, لكنه متوقف على تحقق مقتضياته وشروطه.

ومما يدل على هذه الحقيقة, أنه قد وقعت معه (عليه السلام) عدة حوادث وتعليقات منه, تدل على ثبوت هذه القاعدة وتؤكدها, نذكر بعضها هنا:

1- لقد مشى على الماء في البحر, ولما رآه تلاميذه, وكانوا في السفينة, فوجئوا بذلك, وطلب منه بطرس أن يمشي معه على الماء, في ما يبدو أنه محاولة للتأكّد من صحة ما رأوه, [فقال تعال. فنزل بطرس من السفينة ومشى على الماء إلى يسوع, ولكن لما رأى الريح شديدة خاف وإذ ابتدأ يغرق صرخ قائلاً يا ربّ نجني, ففي الحال مدّ يسوع يده وأمسك به وقال له يا قليل الإيمان لماذا شككت]([3]).

فقد ربط (عليه السلام) القدرة على المشي فوق الماء بإيمان المرء ويقينه, وعدمها بخوفه وشكّه, كما هو ظاهر.

2- وجاءه رجل وطلب منه أن يشفي ابنه، وقال له: [وأحضرته إلى تلاميذك فلم يقدروا أن يشفوه, فأجاب يسوع وقال أيها الجيل غير المؤمن الملتوي. إلى متى أكون معكم. إلى متى أحتملكم. قدّموه إليَّ ها هنا], ولما شفاه سأله تلاميذه عن سبب عدم قدرتهم على شفائه، [فقال لهم يسوع لعدم إيمانكم. فالحق أقول لكم لو كان لكم إيمان مثل حبّة خردل لكنتم تقولون لهذا الجبل انتقل من هنا إلى هناك فينتقل ولا يكون شيء غير ممكن لديكم]([4]).

وهذه القضية ظاهرة بل صريحة في أن الإنسان قادر، من حيث هو إنسان، على فعل ذلك، وأنه مركوز في أذهان الناس كما يدل عليه قول الرجل: [أحضرته إلى تلاميذك الخ..] وكذلك القاعدة التي أعطاها السيد المسيح (عليه السلام) نفسه.

3 - ونظر مرة إلى شجرة تين [وجاء إليها فلم يجد شيئًا إلا ورقًا فقط. فقال لها لا يكن منك ثمر بعد إلى الأبد. فيبست التينة في الحال. فلما رأى التلاميذ ذلك تعجبوا قائلين كيف يبست التينة في الحال، فأجاب يسوع وقال لهم. الحق أقول لكم إن كان لكم إيمان ولا تشكّون فلا تفعلون أمر التينة فقط بل إن قلتم لهذا الجبل انتقل وانطرح في البحر فيكون، وكل ما تطلبونه في الصلاة مؤمنين تنالونه]([5]).

نستخلص من هذه النصوص، أن اجتراح المعجزات والأعاجيب مقدور للإنسان، من حيث هو إنسان، شرط الإيمان، وصدق النية، والإخلاص في العلاقة مع الله تعالى.

إن هذا النحو من الكلام، خصوصًا المشتمل على لفظ [ابن الإنسان]، ليس ناظرًا إلى شخص بعينه، وإنما يؤسس إلى قاعدة عامة، تشمل كل إنسان متصف بصفة الإيمان والإخلاص، فهي على وزان الحديث القدسي، القائل: [عبدي أطعني تكن مثلي تقول للشيء كن فيكون].

المسيح ابن الإنسان:

لقد وردت عبارة ابن الإنسان وأريد بها السيد المسيح (عليه السلام) في جملة من الموارد، وهي عبارةٌ كثيرًا ما تردّدت على لسانه (عليه السلام)، وكانت غايته من استعمالها أن يبين للناس أنه واحد منهم، لا يختلف عنهم من حيث طبيعته الإنسانية، الأمر الذي يكشف عن أنه كان في مقام تزييف مقولة دعوى طبيعته الإلهية وإبطالها، وهي المقولة التي حاول الشياطين - الذين كان يخرجهم من الناس - أن ينسبوها إليه، ويكرّسوها في أذهان الناس على العموم.

كما أن طبيعة المحاورات التي جرت بينه وبين تلاميذه، تدل على أنهم كانوا يعرفونه كإنسان كذلك لا أكثر، بل كان سائر الناس يرونه كذلك، خلافًا لما يعتقد به المسيحيون من إلهيته، والذي انتشر بينهم بعد ارتفاعه عنهم، وبعد انتشار الدين الجديد في أوساط الرومانيين الوثنيين، من خلال دعوة بولس الرسول بينهم، فإنه:

1 - [لما جاء إلى نواحي قيصرية فيلبس سأل تلاميذه قائلاً من يقول الناس أني أنا ابن الإنسان، فقالوا. قوم يوحنا المعمدان. وآخرون ايليا. وآخرون ارميا أو واحد من الأنبياء، قال لهم وأنتم من تقولون أني أنا، فأجاب سمعان بطرس وقال له أنت هو المسيح ابن الله الحي]([6]).

ولكن لا إشكال في أن عبارة [ابن الله الحي] قد أضيفت إلى أصل الكلام، لغاية في نفس الكاتب، بدليل أنها لم ترد في إنجيل مرقس ولا في انجيل لوقا، فإن عبارة مرقس: [فأجاب بطرس وقال له أنت المسيح، فانتهرهم كي لا يقولوا ذلك لأحد]([7]).

وأما عبارة لوقا فهي: [فأجاب بطرس وقال مسيح الله فانتهرهم وأوصى أن لا يقولوا ذلك لأحد]([8]).

ومن الظاهر أن كلمة [المسيح] لا تحتمل معنى الإلهية الذي حملها المسيحيون عليه، إذ ليست من مبتدعات العهد الجديد، وإنما جرى التلاميذ في إطلاقها واستعمالها وكذلك سائر الناس آنئذ، وفقًا لمصطلح العهد القديم، والذي يدل على أن من تطلق عليه هو إنسان خالص، يحتمل معنى النبوة والكهانة والملك.

ويشهد لهذه الزيادة والتلاعب ما ذكره الأب سليم بسترس، فإنه بعدما ذكر الفرق بين كلام متى ومرقس، قال: [وهذا دليل على أن عبارة ابن الله الحي قد أضافها كاتب انجيل متى، معلنًا ليس إيمان بطرس في أثناء حياة يسوع، بل إيمان بطرس والرسل والكنيسة بألوهية المسيح من بعد قيامته]([9]).

وهو صريح بأن بطرس والتلاميذ لم يعتقدوا, في البداية على الأقل، أن السيد المسيح (عليه السلام) ذو طبيعة إلهية، بل كان إنسانًا كسائر الناس، أما أنهم هل اعتقدوا بإلهيته بعد ارتفاعه، كما ذكره الأب بسترس، فهو غير ظاهر، لأنه منقول عنه بحسب متى، ولو حصل ذلك فعلا لأشار إليه كل من مرقس ولوقا.

ويمكن القول أن كاتب متى قد ذكر ذلك طبقًا لاعتقاده الشخصي في طبيعة المسيح، بحيث افترض أن بطرس آمن بها بعد قيامته، ولكنه لا يصحّح زيادته على كلام بطرس وتحريفه، لأن المفروض أنه يتحدّث عن واقعة حصلت بالفعل، فالواجب عليه أن ينقلها كما حدثت, كما تقتضيه أمانة النقل، ولا يضيف إليها قناعاته الخاصة، ويفسّر النص على أساس فهمه واعتقاده.

 وتستوقفنا هنا قصة انتهاره لهم، فإن كلمة [انتهرهم] تعني [زجرهم] عندما صرّحوا له بأنه المسيح، وهي تبدو غير متوافقة ولا منسجمة مع ما يريده المسيحيون منها، إذ لو كان هو المسيح الموعود بإقامة الملكوت، لم يكن لانتهاره لهم أي معنى، لأنه قد أعلن ذلك قبل هذه الحادثة، إذ ليس من المحتمل أن لا يريد إخبار الناس بحقيقته، وإلا فقدت رسالته ودعوته غايتها ومغزاها، فلا بد من حمل زجره لهم على أنهم لم يحسنوا تفسير دعوته.

وأما الفهم المسيحي لزجره فهو ناشئ من كلام متى: [حينئذ أوصى تلاميذه أن لا يقولوا لأحد أنه يسوع المسيح]([10]).

ولا إشكال في أن متى قد تصرّف في العبارة، كما رأينا حاله من قبل بغية التخفيف من وقع الزجر على الناس، ويسير بها حسب الوجهة التي يريدها الكاتب، وإلا فما هو المبرّر لاختلاف تعبيره عما ذكره كل من مرقس ولوقا.

2- وعندما طلب الفريسيون آية، أخبرهم بأنه لن تكون لهم آية إلا آية يونان النبي، قال لهم: [لأنه كما كان يونان في بطن الحوت ثلاثة أيام وثلاث ليال، هكذا يكون ابن الإنسان في قلب الأرض ثلاثة أيام وثلاث ليال]([11])

ولا إشكال في أن المراد بابن الإنسان فيها هو السيد المسيح (عليه السلام) نفسه، وقد ناقشنا هذه المقولة بالتفصيل، وأثبتنا زيفها، وعدم صحتها في كتاب [صلب المسيح في الإنجيل]، فلتراجع ثمّة.

3- وقد وردت بعض العبائر، التي تتحدث عن صلبه وموته، من قبيل القول المنسوب إليه: [وفيما هم يترددون في الجليل قال لهم ابن الإنسان سوف يسلّم إلى أيدي الناس، فيقتلونه، وفي اليوم الثالث يقوم]([12]).

وقوله: [ها نحن صاعدون إلى أورشليم وابن الإنسان يسلم إلى رؤساء الكهنة والكتبة فيحكمون عليه بالموت، ويسلمونه إلى الأمم لكي يهزأوا به ويجلدوه ويصلبوه. وفي اليوم الثالث يقوم]([13]).

وأمثال هذه العبارات التي أريد بها السيد المسيح (عليه السلام)، ولسنا الآن في مقام مناقشتها، وبيان عدم صحّتها فعلا، فإن ذلك يحتاج إلى بحث مستقل.

يتبع =

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] - إنجيل متى: 9/1-8؛ مرقس:2/3-12؛ ولوقا: 5/18-26.

[2] - انجيل يوحنا: 5/27 .

[3] - إنجيل متى: 14/25-31.

[4] - إنجيل متى: 17/14-20.

[5] - إنجيل متى: 21/18-22.

[6] - إنجيل متى: 16/13-16.

[7] - إنجيل مرقس: 8/27-30.

[8] - إنجيل لوقا: 9/18-21.

[9] - اللاهوت المسيحي والإنسان المعاصر، ج1 ص132.

[10] - إنجيل متى: 16/20.

[11] - إنجيل متى: 12/40.

[12] - إنجيل متى: 17/22-23.

[13] - إنجيل متى: 20/18-19.

 

.

تتمة مقال = ابن الإنسان في الإنجيل

ابن الإنسان والملكوت:

إلا أن السيد المسيح (عليه السلام) قد قَرَن بين مصطلح ابن الإنسان وبين الحديث عن إقامة الملكوت السماوي, وحكومة آخر الزمان, في أكثر الاستعمالات.

وهو استخدام مأخوذ مما ورد في سفر دانيال, فإنه يقول بعدما رأى الرؤيا: [وكان لما رأيت أنا دانيال الرؤيا وطلبت المعنى إذا شبه إنسان واقف قبالتي, وسمعت صوت إنسان بيت أولاي فنادى وقال يا جبرائيل فهم هذا الرجل الرؤيا, فجاء إلى حيث وقفت ولما جاء خفت وخررت على وجهي. فقال لي افهم يا ابن آدم. إن الرؤيا لوقت المنتهى]([1]).

ولا إشكال في أن إقامة الملكوت في آخر الزمان ستكون بيد الإنسان نفسه, بمعنى أنه مُلك أرضي وحكومة تقيم العدل على أساس قوانين السماء قبل يوم القيامة, كما يدل عليه ذيل كلام دانيال المذكور [أن الرؤيا لوقت المنتهى], وهو ما صرّح به السيد المسيح (عليه السلام) حيث ربط حكومة ابن الإنسان بتوالي الحروب والمجاعات, وتتالي الممالك في الحكم, وحصول الكوارث الطبيعية من زلازل وغيرها, بالإضافة إلى المشاكل السياسية والاجتماعية والاقتصادية, التي سيعاني الناس منها, الأمر الذي يُهيئ ظروف ادّعاء الكثيرين أنهم المسيح الموعود كذبا, ثم يأتي المنتهى([2]).

إن مما يدل دلالة صريحة على أن ابن الإنسان الذي سيقيم ملكوت السماوات في آخر الزمان, وأنه يستمر إلى أن يرث الله تعالى الأرض ومن عليها, ما ورد في سفر دانيال نفسه, وتقدّم كلامه الذي يقول: [كنت أرى في رؤى الليل وإذا مع سحاب السماء مثل ابن إنسان أتى إلى القديم الأيام فقرّبوه قدّامه, فأعطي سلطانًا ومجدًا وملكوتًا لتتعبّد له كل الشعوب والألسنة. سلطانه سلطان أبدي ما لن يزول وملكوته ما لا ينقرض]([3]).

إلا أن النقطة المركزية في المقام هي بيان ما إن كان المراد بابن الإنسان الذي سيقيم الملكوت في آخر الزمان هل هو السيد المسيح (عليه السلام) نفسه, أم هو شخص آخر غيره, وهو مهدي آل محمد (عجل الله فرجه الشريف).

ولا بدّ أولاً من الإشارة إلى الارتباك الوارد في الأناجيل نفسها في هذا التطبيق، وهو الذي انعكس على الفهم المسيحي لهذه المسألة فيما بعد بشكل عام، وان كان التلاعب في النصوص قد حصل في العصور الأولى للتدوين بحسب الظاهر.

يقول الإنجيل أنه قد تجلّى لثلاثة من تلاميذه وهو يتحادث مع موسى وإيليا، [وفيما هم نازلون من الجبل أوصاهم يسوع قائلاً لا تُعلموا أحدًا بما رأيتم حتى يقوم ابن الإنسان من الأموات وسأله تلاميذه قائلين فلماذا يقول الكتبة أن ايليا ينبغي أن يأتي أولاً، فأجاب يسوع أن ايليا يأتي أولاً ويرد كل شيء، ولكني أقول لكم أن ايليا قد جاء ولم يعرفوه بل عملوا به كل ما أرادوا كذلك ابن الإنسان أيضًا سوف يتألم منهم، حينئذ فهم تلاميذه انه قال لهم عن يوحنا المعمدان]([4]).

ونلاحظ في هذا النص عدة أمور تتنافى مع الفهم المسيحي لفكرة ابن الإنسان وحكومة الملكوت، إذ لم يرد التعبير عن يوحنا المعمدان بأنه ايليا في أي مورد من الموارد، لا في العهد القديم ولا في العهد الجديد سوى في هذا المورد.

وهو ظاهر في انه لم يرد ذكر يوحنا المعمدان في كلام السيد المسيح (عليه السلام)، كما لم يتحدث التلاميذ عن ذلك، وإنما الذي فهم ذلك هو كاتب الإنجيل، وحمل هذا الفهم للتلاميذ، من دون أن يبرز أية قرينة تساعد على هذا الفهم, بل إن القرينة قائمة على خلافه, لأن الحديث ورد في سياق رؤيتهم محادثته مع موسى وإيليا نفسه, فلا معنى لقوله [حينئذ فهم التلاميذ الخ..], خصوصًا وأن بطرس كان من تلاميذ يوحنا المعمدان قبل مدة وجيزة, كما أنهم كانوا جميعًا معاصرين له كذلك.

ومن الواضح أن كاتب الإنجيل لم يستطع التفريق بين مقولة مجيء ايليا قبل قيام حكومة الملكوت على يد ابن الإنسان، وبين المسلَّمة التي انطلق منها وهي أن ابن الإنسان ليس سوى المسيح (عليه السلام) نفسه، فاختلط الأمر في ذهنه، إذ كيف يأتي ابن الإنسان (وهو المسيح بحسب مسلَّمته) ولما يأتي ايليا قبله، فعمد إلى التأويل المذكور، مع أن الواقع يقتضي إعادة النظر في تطبيق ابن الإنسان على السيد المسيح (عليه السلام)، وبذلك يستقيم سياق الكلام.

ولو فرضنا إرادة يوحنا المعمدان من قوله[قد جاء ولم يعرفوه] إلا أنه لا يمكن انطباقه على الفقرة الأولى [إن ايليا يأتي أولاً ويرد كل شيء]، ذلك أن يوحنا المعمدان لم يرد كل شيء كما هو معلوم، بل إن عدم معرفتهم له وعملهم كل ما أرادوه به يدل على ذلك.

وعلى كل حال, فالكلام هنا مقتبس من النبوءة الواردة في سفر ملاخي، والتي تقول: [ها أنا ذا أرسل إليكم إيليا النبي قبل مجيء يوم الرب اليوم العظيم والمخوف، فيردّ قلب الآباء على الأبناء وقلب الأبناء على آبائهم لئلا آتي وأضرب الأرض بلعن]([5]).

ولا إشكال في أن المراد بيوم الرب فيها هو يوم إقامة الملكوت، ولذلك وصفه بأنه يوم عظيم ومخوف.

ولا يمكن أن يراد به التمهيد للسيد المسيح (عليه السلام) كما يفترضه المسيحيون، لأن المفروض أن إيليا المقصود سيرد قلوب الأبناء على آبائهم وبالعكس، وإلا فسوف يضرب الله الأرض بلعن، بينما نجد أن السيد المسيح (عليه السلام) - وحسبما يفترض الإنجيليون - قد جاء ليفرق [الإنسان ضد أبيه، والأب ضد ابنه، والأم على البنت، والبنت على أمها، والحماة ضد كنّتها، والكنّة ضد حماتها]([6]).

نصوص ابن الإنسان:

إننا نجد في هذا المجال، حشدا من النصوص التي تتعرض لابن الإنسان ولزمانه، لا بدّ من ذكر بعضها مما يضيء على المسألة، وبيان ما إذا كان يصحّ انطباقها على السيد المسيح (عليه السلام) أم لا؟

وينبغي أولاً ملاحظة انه (عليه السلام) لم يصرح بأن المراد من ابن الإنسان الذي سيقيم حكومة الملكوت نفسه الشريفة, بل لم يشر إلى ذلك في أي مورد من الموارد، فقد كان يذكره بصيغة الغائب كلما تعرّض له، حتى في الموارد التي يبدو من سياقها للوهلة الأولى أنه هو المراد بالكلام فعلاً، وهذا يدل دلالة أكيدة على أن ابن الإنسان المقصود هو غيره كما تقدم ذكره.

وما دام الأمر كذلك، فان حمل ابن الإنسان عليه (عليه السلام) مخالف للنصوص الإنجيلية نفسها، ولا بد أن يكون تبرّعًا من المسيحيين، وهو تبرّع لا قرينة تساعده، ولا دليل يدل عليه، وبالتالي فلا يمكن الالتزام به، ولا المصير إليه.

ومهما يكن من أمر, فإن من النصوص الإنجيلية التي تتحدث عن حكومة آخر الزمان, وعن ابن الإنسان الذي سيقيمها, والتي سنعرضها هي التالية:

1- [فإن ابن الإنسان سوف يجيء في مجد أبيه مع ملائكته وحينئذ يجازي كل واحد حسب عمله, الحقّ أقول لكم إن من القيام هنا قومًا لا يذوقون الموت حتى يروا ابن الإنسان آتيًا في ملكوته]([7]).

ومن الواضح أنها لا تقبل الانطباق على السيد المسيح (عليه السلام) , لأن ابن الإنسان هذا سوف يجازي كل واحد حسب عمله, وأما السيد المسيح فلم يجازِ أحدًا, إذ هو لم يقم حدّ الرجم على المرأة الزانية عندما جيء بها لذلك([8]).

وجاء إليه رجل يشتكي على أخيه في قسمة ميراثهما, فردّه وقال له: [يا إنسان من أقامني عليكما قاضيًا أو مقسّمًا]([9]).

وحاول بعض اليهود أن يخطفوه وينصّبوه ملكًا عليهم، وعلم بذلك تركهم وانصرف إلى الجبل وحده([10]).

وغنيٌ عن البيان أن مهمّته ووظيفته كانت منحصرة بالوعظ والبشارة باقتراب ملكوت السماوات, كما حفلت به كافة فصول الأناجيل.

ومما لا إشكال فيه أنه ليس المراد بالمجازاة هذه حساب يوم الدينونة، بقرينة ما ورد في ذيلها [أن من القيام هنا قومًا لا يذوقون الموت حتى يروا ابن الإنسان آتيًا في ملكوته].

كما أنه لا يصح إرادة مجازاته لهم بعد قيامته من الأموات، كما ربما يتوهم، لأن المفروض أن مهمته ووظيفته قد انتهت قبل حادثة الصلب، حين أعلن في نهاية خطبته على الجبل قائلا: [أنا مجّدتك على الأرض، العمل الذي أعطيتني لأعمل قد أكملته]([11]).

هذا بالإضافة إلى أنه لم يدّع أحد من المسيحيين أو من غيرهم أن السيد المسيح (عليه السلام) قد تصدّى لهذه المهمة بعد حادثة الصلب.

2- أنه لا بد أن يسبق مجيء ابن الإنسان الموعود كثير من الحروب والدمار والفتن، فإذا جاء رآه جميع الناس, [وحينئذ تظهر علامة ابن الإنسان في السماء. وحينئذ تنوح جميع قبائل الأرض ويبصرون ابن الإنسان آتيًا على سحاب السماء بقوّة ومجد كثير، فيرسل ملائكته ببوق عظيم الصوت فيجمعون مختاريه من الأربع الرياح من أقصاء السماوات إلى أقصائها]([12]).

وشيء من ذلك لم يحصل مع السيد المسيح (عليه السلام)، وكل ما حصل أنهم ذهبوا إلى القبر ولم يجدوه فيه، فادّعي أنه قام من الأموات، دون أن يتفق الانجيليون على نص معين يمكن الركون إليه حول من رآه ومن كلَّمه حينئذ، وقد عالجنا هذه المسألة بالتفصيل في كتاب [صلب المسيح في الانجيل] فيمكن مراجعته هناك.

3- [الحق أقول لكم لا يمضي هذا الجيل حتى يكون هذا كلّه، السماء والأرض تزولان ولكن كلامي لا يزول، وأما ذلك اليوم وتلك الساعة فلا يعلم بهما أحد ولا ملائكة السماوات إلا أبي وحده، وكما كانت أيام نوح كذلك يكون أيضا مجيء ابن الإنسان، لأنه كما كانوا في الأيام التي قبل الطوفان يأكلون ويشربون ويتزوجون إلى اليوم الذي دخل فيه نوح الفلك، ولم يعلموا حتى جاء الطوفان وأخذ الجميع. كذلك يكون أيضًا مجيء ابن الإنسان]([13]).

1-       وأضاف كاتب انجيل لوقا قول المسيح: [كذلك أيضا كما كان في أيام لوط كانوا يأكلون ويشربون ويشترون ويبيعون ويغرسون ويبنون، ولكن اليوم الذي خرج فيه لوط من سدوم أمطر نارًا وكبريتًا من السماء فأهلك الجميع، هكذا يكون في اليوم الذي يظهر فيه ابن الإنسان، في ذلك اليوم من كان على السطح وأمتعته في البيت فلا ينزل ليأخذها. والذي في الحقل كذلك لا يرجع إلى الوراء]([14]).

يتبع =

 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] - سفر دانيال: 8/15-17.

[2] - إنجيل متى: 24/3-4.

[3] - سفر دانيال: 7/13-14.

[4] - إنجيل متى: 17/9-13؛ وانجيل مرقس: 9/9-13.

[5] - سفر ملاخي: 4/5-6.

[6] - إنجيل متى: 10/34-35؛ انجيل لوقا: 12/49-53.

[7] - إنجيل متى: 16/27-28.

[8] - إنجيل يوحنا: 8/2-11.

[9] - إنجيل لوقا: 12-13.

[10] - إنجيل يوحنا: 6/15.

[11] - إنجيل يوحنا: 17/4.

[12] - إنجيل متى: 24/30-31؛ وإنجيل مرقس: 13/26-27؛ وانجيل لوقا: 21/27.

[13] - إنجيل متى: 24/34-39؛ وإنجيل لوقا: 17/24-32.

[14] - إنجيل لوقا: 17/28-31.

 

.

تتمة مقال = ابن الإنسان في الإنجيل

ودلالته صريحة على أنه في ذلك اليوم سيقع العذاب والبلاء على من أنكروا ابن الإنسان الموعود، وسينتشر النعيم والرخاء على أتباعه وأنصاره والمؤمنين به.

وأما يوم السيد المسيح (عليه السلام) فلم يتحدّث التاريخ عن وقوع شيء من ذلك معه كما هو معلوم. هذا مع أنه كان يعلم ساعة ارتفاعه ورحيله عن الناس, كما تدل عليه الأناجيل الأربعة, فهو يخاطب تلاميذه قائلا: [هوذا الساعة قد اقتربت وابن الإنسان يسلم إلى الخطاة, قوموا ننطلق. هوذا الذي يسلمني قد اقترب]([1]).

وقال لاثنين من تلاميذه, وهما اندراوس وفيلبس: [قد أتت الساعة ليتمجد ابن الإنسان]([2]).

وكذلك أنهى خطبته على الجبل, متوجهًا إلى السماء, وقال: [أيها الأب قد أتت الساعة]([3]).

ولازم كل ذلك أن يكون عارفًا بوقت مجيئه في الملكوت, لو كان هو المراد به, ذلك أنه كان قد أخبرهم بأنه سيقوم بعد ثلاثة أيام, كما كان يونان النبي في بطن الحوت ثلاثة أيام وثلاث ليال بحسب الأناجيل.

بينما مجيء ابن الإنسان الموعود, فلا أحد يعلم به حتى السيد المسيح (عليه السلام) والملائكة القدّيسون, حسب نص النبوءة, ولا يعلمها إلا الله تعالى.

هذا كله مع أن يوم صلب المسيح (عليه السلام) !! كان شديدا على المسيح نفسه, وليس على خصومه والذين رفضوه, ولذلك أمضى الليل كله ساهرًا ومتوسلاً إلى الله تعالى ليُجيز عنه كأس الموت]([4]).

ولهذا كان بحاجة إلى من يشدّ أزره ويقوّيه ويعينه في محنته, فقد [ظهر له ملاك من السماء يقوّيه, وإذ كان في جهادٍ يصلي بأشد لجاجة وصار عرقه كقطرات دم نازلة على الأرض]([5]).

وأين حاله من ذلك الذي سيأتي في مجد وملكوت وقوة كثيرة, فيكون يومًا شديدًا على الكافرين, لا على المؤمنين الذين ينعمون بعدله ورحمته, حتى قال السيد المسيح (عليه السلام) لتلاميذه فيه: [ستأتي أيام تشتهون أن تروا يومًا واحدًا من أيام ابن الإنسان ولا ترون]([6]).

وهذا يشكّل قرينة إضافية على عدم كون السيد المسيح (عليه السلام) هو المقصود بابن الإنسان الموعود, لأن المفروض, وبحسب الأناجيل, أنهم سيكونون معه في قضاء يوم الدينونة, حيث يقول لهم: [وأنا أجعل لكم كما جعل لي أبي ملكوتًا, لتأكلوا وتشربوا على مائدتي في ملكوتي وتجلسوا على كراسي تدينون أسباط إسرائيل الإثني عشر]([7]).

ولا يخفى أن الالتزام بإرادة السيد المسيح (عليه السلام) من ابن الإنسان الموعود, ينافي كونهم معه في قضاء يوم الدينونة, إذ كيف يصح أن يكونوا معه, وهم يتمنون أن يروا يومًا من أيامه دون أن يتسنى لهم ذلك, اللهم إلا إذا التزمنا بعدم صحة أحد الكلامين, وهو ما لا يرتضيه المسيحيون قطعًا. فلا مخرج للمسيحيين إذن إلا بالتزام إرادة غيره من ابن الإنسان, إن افترضوا صحّة النصين معًا, وصدورهما عنه (عليه السلام) فعلاً.

4- [ماذا ينتفع الإنسان لو ربح العالم وخسر نفسه, أو ماذا يعطي الإنسان فداء عن نفسه, لأن من استحى بي وبكلامي في هذا الجيل الفاسق الخاطئ فإن ابن الإنسان يستحي به متى جاء بمجد أبيه مع الملائكة القديسين]([8]).

5- [فسأله رئيس الكهنة أيضا وقال له أأنت المسيح ابن المبارك, فقال له يسوع أنا هو. وسوف تبصرون ابن الإنسان جالسًا عن يمين القوّة وآتيًا في سحاب السماء]([9]).

وقد اتفق الإنجيليون الثلاثة على ذكر هذه الحادثة, وبصور متقاربة, يجمعها أن الحديث كان معه مباشرة, وأنه كان يتحدث عن نفسه بصيغة المتكلم, ثم انتقل مباشرة ليتحدث عن ابن الإنسان الآتي بصيغة الغائب, ومقتضى الحال أنه لو كان يريد نفسه أن يكمل بصيغة المتكلم أيضًا، رفعًا للالتباس وسوء الفهم, خصوصًا وأنه لم يذكر في أي مورد من الموارد أنه هو المقصود صراحة كما سبقت الإشارة إليه.

هذا بالإضافة إلى ما تقدّم من أنه لم يحصل من الناحية الواقعية أن رأوا شيئًا يصدّق هذه النبوءة في شخصه الكريم, مما يدل دلالة أكيدة على أنه كان يريد ابن إنسان آخر, وهو الموعود بإقامة ملكوت آخر الزمان.

ويؤكّد هذه الحقيقة أن اليهود كانوا يعلمون علم اليقين أن مقيم ملكوت السماوات سيكون في آخر أيام الدنيا, فإنه حينما كان يتحدث عن ارتفاعه عن هذا العالم [فأجابه الجمع نحن سمعنا من الناموس أن المسيح يبقى إلى الأبد. فكيف تقول أنت إنه ينبغي أن يرتفع ابن الإنسان. من هو هذا ابن الإنسان]([10]).

ولا بد من الإشارة هنا إلى أن جوابهم المذكور غير متناسق مع سياق الكلام الوارد على لسانه (عليه السلام) , ذلك أنه لم يتعرض في هذه الفقرة لعنوان ابن الإنسان, بل كان يتحدث عن نفسه بصيغة المتكلم [وأنا إن ارتفعت عن الأرض أجذب الجميع إلي], وأما جوابهم فكان عن شخص آخر, لا بد أن يبقى معهم إلى الأبد, مما يعني أن كاتب الإنجيل قد تصرّف في النص, أو أن النسّاخ قد حذفوا منه شيئًا, لينسجم مع اعتقادهم ورؤيتهم, فاختلّ سياق الكلام بهذا التصرف, خصوصًا وأن الجمع الذين كان يحاورهم كانوا يظنّون أنه هو المسيح الموعود, والمسيح هنا بمعنى الملك, فأراد السيد المسيح أن يصحّح لهم هذا الاعتقاد, ويردّهم إلى الصواب, ولذلك كان استهجانهم واستغرابهم من كلامه معهم, فسألوا [من هو هذا ابن الإنسان].

وهكذا يظهر أن إرادة المسيح (عليه السلام) من ابن الإنسان الموعود بإقامة الملكوت في الإنجيل تؤدّّّّّي إلى اختلال كلام الإنجيل كله, مما يستوجب طرحه, أو إعمال التكلّف الشديد في محاولة رفع التهافت فيه دون جدوى. ولا يستقيم سياق الأناجيل في هذه المسألة إلا إذا حملنا عنوان ابن الإنسان على شخص آخر غيره في آخر الزمان, وهو مهدي آل محمد الحجة بن الحسن المنتظر المهدي عجل الله فرجه الشريف.

انتهى المقال

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] - إنجيل متى: 26/45-46؛ ومرقس: 14/41-42.

[2] - إنجيل يوحنا: 12/23.

[3] - إنجيل يوحنا: 17/1.

[4] - إنجيل متى:26/37-44؛ ومرقس:14/33-39.

[5] - إنجيل لوقا: 22/42-44.

[6] - إنجيل لوقا:17/22.

[7] - إنجيل لوقا:22/29-30؛ ومتى: 19/28.

[8] - إنجيل مرقس: 8/36-38؛ ولوقا: 9/25-26.

[9] - إنجيل مرقس: 14/61-62؛ متى: 26/63-64؛ ولوقا: 22/67-69.

[10] - إنجيل يوحنا:12/34.

 
115%