رسالة النجف

الرسالة النبوية الخاتمة

 

الرسالة النبوية الخاتمة

الشيخ علي ياغي1

مدخل

بعث الله عزّ وجل رسول رحمته وأمين كلمته محمد بن عبد الله (صلى الله عليه وآله)، بين يدي الساعة ليختم بنبوته ورسالته التامة حجّته على خلقه، فهي خاتمة لما سبق، وفاتحة لما يُستقبل من أيام قبل القيامة، وهي مهيمنة على الزمان كلّه.

جاءت هذه الرسالة وشعارها الدعوة إلى العلم وإقامة العدل، وتكميل الأنفس بخير المكارم وأجمع الفضائل وأتم البرهان وأعلى الحكمة، وتعقّبت هذه الرسالة التجربة الإنسانية التي تراكمت جهود أبنائها في مسيرة مضنية شاقة، حافلة بألوان حمراء وسوداء، وقليل نادر من لون الراحة والهناء.

جاءت هذه الرسالة تحمل النور والهداية إلى كلّ حقّ وحقيقة وصراط مستقيم، تبثّ علمها وروح حكمتها وعطر بيانها بمنطق رقيق عطوف شفيق، تدعو إلى سبيل رب العالمين بالحكمة والموعظة الحسنة، وتحرص على سوق الأنفس إلى صراط العزيز الحميد، برأفة الآباء وحنو الأمهات، تفتح لهم مغاليق أبواب المعرفة، وتطرق عليهم باب سباتهم لتوقظهم من مهلكات الغفلة، تُرادف في بيّناتها وتتابع في آياتها، وتخاطب كلّ ذي عقل بعقله، وكلّ ذي فن بفنّه، وكلّ ذي معرفة وعلم في معرفته وعلمه.

وإننا إذ نقف معها اليوم وقفة تأمل في حدود مقال، أحبّ أن أبرز بعض خصائصها وأُشير إلى بعض معالمها، محاولاً بذلك تكميل وعيي عسى أن أكون في عداد طالبي الرشد، وعسى أن ألفت البعيد عنها إلى بعض حقائقها، ومنه سبحانه استمد العون. 

الحقيقة الأولى:

جامعية الرسالة

إننا نعتقد جامعية الرسالة المحمدية الطاهرة لكل نواحي الحياة الإنسانية ذات الصلة بالهداية إلى الحق والحقيقة، إن في مجال الفكر والاعتقاد أو في ثمراتهما من صناعة الحياة الطيبة في الدنيا والسعادة في الآخرة.

فالملاحظ بوضوح تام، أنها رسالة أضاءت أنوار شموسها جميع الآفاق الداخلة في الاهتمام الإنساني، على مدى مساحة هذا الاهتمام في الزمان والمكان وما يعتريهما من أحوال.

ويبتني شمولها وجامعتيها فيما يبتني عليه:

أولاً: أنها تعقّبت دعوة الأنبياء السابقين عليهم السلام، وبالخصوص منهم النبيّين المكرَّمين موسى وعيسى على نبينا وآله وعليهما السلام، وأخصّمها بالذكر لجهة أن امتداد رسالتيهما عاصر ولم يزل عبر الموسويين والمسيحيين (الأتباع) زمان الرسالة المحمدية، وقد كان من أتباع هاتين الرسالتين الشريفتين أن عبَروا عن حدود نور الرسالتين وتجاوزوا منطقيهما، وبعدوا بعدا مفرطًا عن دعوة الرسالتين، ما ألحق هؤلاء الأتباع في عداد أهل الجاهلية، بل لعل التأمل يفيد بأن عقدة هؤلاء المدّعين للتابعية كانت أشدّ على الرسالة المحمدية -ولم تزل- من عقدة الجاهليّين أهل الشرك أنفسهم.

وعليه، كان لا بدّ من أن تعالج الرسالة المحمدية عقدة هذا المجتمع الكتابي بثورة المفاهيم والأفكار والمنطق والاحتجاج عليه، ما جعل الرسالة المحمدية مضطرة لتوسيع رقعة بيانها حتى تشمل بعين عنايتها جميع ما شذّ عنه وشذّ به أهل الكتاب، لذلك نجد في آيات الكتاب العزيز وفي سيرة رسول الله (صلى الله عليه وآله) وسيرة أئمتنا عليهم السلام مساحة عريضة مفردة لقضايا أهل الكتاب، ومن شواهد ذلك:

قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ}([1]).

وقوله تعالى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُواً وَلَعِباً مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ}([2]).

وقوله تعالى{وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَاراً لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَاداً وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ}([3]).

وقوله تعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ}([4]).

ثانيًا: مما يبتني عليه شمول الرسالة وجامعتيها أنها خاتمة الرسالات الإلهية، فلا رسالة بعد الإسلام ولا نبي بعد محمد (صلى الله عليه وآله).

وقد مضى على هذه الرسالة ما يزيد على الأربعة عشر قرنًا، قطعت فيه البشرية أشواطًا عريضة، وقفزت خلالها قفزات عملاقة، في كثير من مجالات العلم، أقول العلم وليس المعرفة لأن البشرية في مجال المعرفة دون الأمية بمسافات ومسافات، ذلك أن المعرفة هي اكتشاف الحقائق ذات الصلة في مجال الفكر والاعتقاد الصحيح وتحديد الضوابط الأخلاقية والروحية والإيمانية من غيب وشهادة، هذا هو مجال المعرفة، وأين البشرية منه؟.

أقول، لقد قطعت البشرية في مجال العلم بالمادة الصماء واكتشاف بعض أسرارها ما جعل المادة أقرب إلى وعينا ببركة هذه الكشوف العلمية، وأقرب إلى الانتفاع بها في مجالاتها من تسخير الطاقة ووفرة الإنتاج وما أشبه ذلك.

فكان من هذه الرسالة المحمدية - وليتجلى لطف الله بعباده من خلالها أكثر - أن سبقت كشوفهم العلمية، وأخبرت عن أسرار في المادة وأسرار في قوانين الطبيعة، هي أبعد في المدى من خطوة الطفل التي اجتازها إنسان العلم إلى يومنا هذا.

ففي أوائل أيام الفتح العلمي - إذا صح التعبير- في مجال المادة، كاد يشوش على إيمان الناس وعقولهم، من خلال الاحتفالات الصارخة بالاكتشافات العلمية، حتى كاد بعض المؤمنين أن يروا في الاكتشاف العلمي الموافق للرسالة الخاتمة سبب قوة لإيمانهم برسالتهم وخالقهم ورسولهم، ولكن بعد فترة من الزمن، وعلى وقع الكشوف العلمية المتلاحقة، أخذت تعتدل الحقيقة للناظرين، فقد كشفت الرسالة النقاب عن بعض علومها في مجال المادة والطبيعة والكون.

فهذه مطالعات الرسالة وقولها في أصل تكوين الإنسان، وأنه بدأ من التراب أو من الطين اللازب، وهذا هو العلم اليوم وبعد مرور أربعة عشر قرنًا يؤكد هذه الحقيقة.... وقول الرسالة في عالم الأجنة، وفي الرياح اللواقح، وفي بصمة الإبهام، وفي حقيقة النسل، وفي سبح الأفلاك... إلى العديد من الحقائق العلمية في عالم الكون والمادة، و نحن على يقين تام بأن الاكتشافات العلمية ستبقى في سير ارتقائي دائم، وإلى جنب ذلك سيكتشف الفاتحون أنهم في مرتبة التابع لا في ذروة الفاتح {وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلاً}([5]).

يتبع =

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1. مبلّغ ديني ومدرّس في الحوزة العلمية.

[1] - المائدة: 41.

[2] - المائدة: 57.

[3] - المائدة: من الآية64.

[4] - البقرة: 176.

[5] - الإسراء: من الآية85.

 

 

 

تتمة مقال =الرسالة النبوية الخاتمة

وليس البحث في هذه النقطة لبيان أن القرآن كتاب متخصص في الجانب العلمي كما قد يظن البعض، وإنما كان الداعي هو بيان جانب الشمولية والجامعية، وبهذا لا يخرج القرآن عن كونه كتاب نور وهداية، بل دخول هذه الميزة فيه هي من نوره وهدايته.

من هنا كانت الرسالة المحمدية قد ضمنت في محتواها هذا الجانب وأعطته حيِّزًا في مساحتها، على قاعدة السحر الذي جاء به موسى (عليه السلام)، ليعرف أهل هذا الفن ونشطاؤه الكبار وأعلامه الأعلام أنهم مربوبون لقدرة هي أكبر من قدرتهم، وأن من أقدرهم على صنيعهم هذا هو أقدر منهم وأعلى، فبإبطاله لسحرهم تجلّى لهم لطف من ألطاف الله تعالى، فعرفوا من خلاله صدق موسى في دعواه النبوة فآمنوا به.

وأعتقد جازمًا أنه كلما اقترب العلم من أسرار الوجود وآياته أكثر، سيتجلّى سر آخر من أسرار صدق الرسالة وصدق الرسول (صلى الله عليه وآله).

فهذه الرسالة المحمدية الخاتمة بنت جامعيتها وشمولها للحقائق العلمية الكونية، لتواكب الأزمان ومسيرة الإنسان، مع قيام الحجة عليه، إذ برهان صدقها لكل ذي علم وعقل بين يديه، ومن شواهد ذلك في القرآن الكريم:

قوله تعالى: {هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُوراً وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} ([1]).

وقوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِناً ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلاً}([2]).

وقوله تعالى: {وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ * لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ}([3]).

وقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلاً ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلا يَعْلَمَ مَنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئاً وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ}([4]).

وقوله تعالى:{ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَاماً فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْماً ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ}([5]).

ثالثًا: مما بني عليه جامعية الرسالة المحمدية وشمولها، انفتاح الانسان على مدنيّته، التي تشمل فيما تشمل بحسب تعبيرات زماننا: حقوق المرأة والطفل، وضمان الشيخوخة، ونوع النظام، وحقوق الأقليات، ونظام العلاقات المجتمعية، والنظرة إلى الحياة، والحاجة أو عدم الحاجة إلى النظام الأخلاقي والقيمي، ومقاييس الرقي والتخلف، وتعامل الإنسان مع الطبيعة، وحرية الإنسان وحدودها، وصفات الحاكم، وقانون الأحوال الشخصية، إلى غيرها من العناوين ذات الصلة بمدنية الإنسان وقضاياها.

ولا شك أن فكر الإنسان خلاّق ويُمتِعُه الابتداع والسبح في فضاءات الفكر أو ما يخاله من الفكر، لذا كثرت النظريات حول كل واحد من هذه العناوين التي ذكرناها أو التي لم نذكرها، وعليه، كان لا بدّ - رحمة بهذا الإنسان إن شاء الرحمة وإتمامًا للحجة عليه- أن تتطرق الرسالة المحمدية المطهرة لعرض فلسفاتها وأفكارها حول هذه القضايا ذات الطابع المدني في حياة الإنسان([6]).

وهذه بعض الشواهد القرآنية على اهتمام الإسلام بالجانب المدني من حياة الإنسان:

قوله تعالى {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ}([7]).

وقوله تعالى {لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ}([8]).

وقوله تعالى {كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى الْمُتَّقِينَ}([9]).

وقوله تعالى {وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولاً}([10]).

وقوله تعالى {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ}([11]).

وقوله تعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ}([12]).

إلى كثير من الآيات التي تعالج قضايا في حقل مدنية الإنسان واجتماعه.

رابعًا: بما أن الرسالة المحمدية الطاهرة تدعو إلى الإيمان بالغيب - ومعروف أن مساحة الغيوب عريضة جدًا- من الإيمان بالله وملائكته ورسله وكتبه واليوم الآخر، وإخبارات الكتاب العزيز المستقبلية من مثل قوله تعالى: {وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ}([13]).

ومن مثل قوله: {فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ}([14]).

ومن مثل قوله تعالى - وإن كان بلسان التحذير ولكنه غيب مستقبلي واقع ساقه الكتاب العزيز بلسان التحذير- {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ}([15]).

فهذه الآيات الشريفة من غيوب الرسالة -وإن سيقت بلسان التحذير- إلى غيرها من آيات غيب المستقبل، وآيات الغيب السابق، والغيوب في مطاوي العوالم، من مثل القضاء والقدر في الآجال والأرزاق.. إلخ، ممّا يؤّكد على اتساع مساحة الغيوب وتنوعها، وقد اعتبر الكتاب العزيز الإيمان بالغيب مقوّمًا للتقوى إذ يقول:{ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ* الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ}([16])، وهل من سبيل إلى الإيمان بالغيوب إلا عن طريق الإخبار المؤيِّد للعقل في مساحة منه، وعن طريق الإخبار، خاصة في الأمور التي ليس للعقل فيها مجال، فلا بدّ حينئذ أن تبيِّن الرسالة الشريفة الغيوب وتعرّف، بها بحيث يزول حجاب البعد عن تلك الغيوب، وتصبح لدى النفس بقرب الشهادة أو أقرب، مما يعني لزوم بذل عناية بيانية حول الغيوب، ولذلك فعلاً اتسعت رقعة البيان الرسالي إلى هذه الجهة وهذا الجانب ليكون هذا مبررًا آخر من مبررات جامعيتها وشمولها، ونكتفي بذكر هذه الدواعي الأربعة مما بنيت عليه جامعيتها وشمولها وإحاطتها، ونحن في غنى عن الاستشهاد للجامعية بعد قوله تعالى: {مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ}([17]).

يتبع =

ــــــــــــــ

[1] - يونس: 5.

[2] - الفرقان: 45.

[3] - يّـس: 39-40.

[4] - الحج: 5.

[5] - المؤمنون: 14.

[6] - إن عدم تطرقنا هنا لبلورة نظام حكم للإسلام لا يعني عدم وجود هذا النظام، ويكفي أن نشير إلى فترات الحكم المحدودة في حياة النبي (صلى الله عليه وآله) وحياة أمير المؤمنين (عليه السلام) للإشارة إلى إن الإسلام لم يخلُ من نظام حكم، وإلا فهل كان حكمهما من غير هدى ولا كتاب منير؟

[7] - النحل:90.

[8] - الفتح: من الآية17.

[9] - البقرة:180.

[10] - الإسراء: من الآية34.

[11] - آل عمران:110.

[12] - النساء: من الآية135.

[13] - القصص: 5.

[14] - الدخان: 10.

[15] - المائدة: 54.

[16] - البقرة: 2-3.

[17] - الأنعام: من الآية38.

 

 

تتمة مقال =الرسالة النبوية الخاتمة

الحقيقة الثانية:

عالمية الرسالة النبوية الخاتمة

وأقصد بعالميتها دخولها في حيز المسؤولية على كل عاقل، ولا أقصد أهليتها وصلاحيتها لقيادة الإنسانية في كل زمان ومكان، فإنه من القضايا المسلمة.

والذي يؤكّد عالميتها - بالمعنى الذي بيّناه- أن العاقل قد قامت عليه الحجة بعقله أن يطلب الأمن من الخوف والطمأنينة من المخيف، فمن تناهى إليه من العقلاء خبر الرسالة والرسول فبحث عن الخبر، فلا محالة يتنجز عليه الإيمان بها والعمل بأحكامها.

وإذا ترك البحث عن الخبر فقد ترك ما وجب، لأن البحث عنها ناجز بالخبر لا محالة، أما من كان من العقلاء ولم يتناه إليه الخبر، ولم يسمع برسول ولا رسالة ولا خطر يوم القيامة، فقد تنجز عليه من أحكامها ما توفر على شرطه، وهو ما يرجع إلى مدركات عقله، فشرط وجوبه إدراك حسنه وشرط حرمته إدراك قبحه.

والباقي الذي لم ينجّز من أحكامها وبقية شؤونها فلفقد شرطه، لأن العاقل الذي لا علم له المعذور في عدم علمه، هو كالعاجز في عدم التنجز في حقه.

إذن هي عامة البلوى لجميع البشر في أي من ظروف مكانهم أو زمانهم، قال تعالى {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ}([1])، وقال {إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإسْلامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ}([2])، وقال {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ}([3]).

الحقيقة الثالثة:

إنّ هذه الرسالة العالمية الجامعة قد عرضت لبيان مفاهيمها والإعراب عن مضامينها بطريقتين ومستويين من الإفهام والتبيين:

المستوى الأول الإجمال والمستوى الثاني هو التفصيل.

كما أن المستوى الأول والثاني تأدّى كل منهما بأسلوبين، وهذا رسم بياني توضيحي:

البيان

مجمل     مفصل

محدود   واسع          تفسير    تأويل

إيضاح المقصود من ألفاظ هذا الرسم البياني:

البيان الرسالي: نقصد به طريقة الإفهام والتفهيم عند الرسالة.

المجمل: مقابل المفصّل على طريقة المتون المضغوطة، المحتاجة إلى الشرح والتفصيل ليتضح المراد منها.

المفصّل: ظهر معناه مما سبق في المجمل.

المجمل المحدود: هو الكلام أو البيان الذي حدّد فيه العنوان المراد بيانه على مستوى المبدأ دون الدخول في التفاصيل، ومن أمثلة ذلك بعض الآيات المحكمات.

المجمل الواسع: هو المجمل من ناحية التفاصيل والعنوان معًا، فهو في الغالب غير واضح حتى في تحديد العنوان، فضلاً عن التفاصيل والتفريعات، ومثاله المتشابهات.

التفسير: هو كشف النقاب عن معنى اللفظ، على مستوى العناوين وعلى مستوى التفاصيل والتفريعات، بما للّفظ من دلالة مباشرة عليها.

التأويل: هو انطباق اللفظ على المعاني على مستوى العناوين والتفاصيل والتفريعات، بمعونة المشابهة والقرب مع التفسير، وأكثر ما نلحظ التأويل في غير الأحكام، ونلحظه بوضوح كبير في عالم الأحداث.

وسيتضح المراد من هذا الرسم البياني لأسلوب عرض الرسالة لمعانيها في طي هذه النظرة إلى الحقيقة الثالثة.

يتبع =

____________________

[1] - سـبأ: 28.

 

[2] - آل عمران:19.

 

[3] - آل عمران:85.

 

تتمة مقال =الرسالة النبوية الخاتمة

موطن المستوى الأول:

المستوى الأول المعروض بطريق الإجمال المحدود والإجمال الواسع، نلحظه ونحصي موارده في المادة المعرفية الأولى للرسالة الخاتمة، أي في الكتاب العزيز.

فاعتقادنا بالكتاب العزيز أنه بيان رسالي مجمل غير مفصّل، وأن إجماله هذا تارة كان محدودًا وأخرى كان واسعًا، وهذا لا ينافي أبدًا ما يمكن أن نفهمه من مثل قوله تعالى:{ألر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ}([1])، وقوله تعالى: {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ}([2])، وما يجري مجرى هاتين الآيتين الواضحتين، إنه كتاب بيِّن مفصّل جامع، نعم هو كذلك في نفسه وعند الذين أوتوا علم الكتاب، فهو كتاب واضح في جميع معانيه لدى هؤلاء كما يقول تعالى: {بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ}([3])، هو كذلك عند الراسخين في العلم، هو كذلك عند أعدال الكتاب.

أما بالنسبة لنا نحن - القسم الثاني من الناس وهو عامتهم، ومنهم المتعلمون أجمع، وإطلاق صفة (العالِم) على بعضهم إنما هو بعلاقة المشابهة لا بالانطباق الحقيقي الواقعي - فليس الكتاب إلا مجملاً غامضًا مرددًا، موقعًا لوعينا في الجملة في الحيرة والتردد، فهو كتاب لا يشبع وعينا بالحاجات المعرفية التي هدفت الرسالة تبليغنا إليها وإيصالنا إلى مراتبها، لأنه وإن كان في حد ذاته مما لا تنتهي معارفه ولا يقلّ فيض عطائه ولا يعيى عن كثرة الرد، إلا أنه كتاب بنى بيانه على طريقة وأسلوب تعبير، يجعله أمام مرآة وعينا وقدرة عقولنا وآلات إدراكنا مطبقًا على الإجمال ولو في الجملة.

فأنّى لنا أن نهتدي من خلال آياته إلى حقائق الدين ومعالم الرسالة ومفصلات أحكامها،وهو حمّال وجوه تستدخلها بطون وبطون، ولها أَوْلٌ بعد أَوْلٍ، وإشراقة بعد إشراقة، وظهور بعد ظهور، وعمق يطوي أعماقًا، ما يجعل الجزم بمراداته والعلم بحقائقه قضية غير ميسَّرة لفهمنا نحن، هكذا يتبدّى الكتاب العزيز إلى فهمنا، ولذا اعتبرنا أن المستوى الأول - أي المجمل بقسميه المحدود والواسع - كان موطنه الكتاب العزيز.

موطن المستوى الثاني:

المستوى الثاني من البيان الرسالي المعروض بطريقة التفصيل تفسيرًا وتأويلاً نلحظه ونحصي موارده في المادة المعرفية الثانية للرسالة الخاتمة، أي في موطن كلمات الأنوار الساطعة والأعلام اللائحة محمد بن عبد الله (صلى الله عليه وآله) وأهل بيته علي بن أبي طالب وأبناءه الأحد عشر إمامًا عليه وعليهم السلام، فإن بيانهم صلوات الله وسلامه عليه وعليهم كان بيانًا مفصلاً لما أجمله الكتاب العزيز، تارة عن طريق تفسير الآيات وكشف اللثام عن معانيها ومبانيها، وتارة أخرى عن طريق انطباقات المعنى وما يؤول إليه ويستقر في الدلالة عليه بحسب المناسبات وحيثيات الظرف.

ولمّا كان التأويل هو انطباق الآيات الشريفة على المعاني والأحداث بحسب المناسبات وحيثيات الظرف المكاني والزماني، فقد لاحظنا أن بيان رسول الله (صلى الله عليه وآله) كان الغالب عليه طابع التفسير، ويختلف عنه بيان عترته الطاهرة، فالغالب في بيانها لمناسبات الظرف هو التـأويل.

فإن عمر الرسول في بيان الرسالة امتدّ إلى ثلاث وعشرين سنة، ما جعل الحاجة إلى التفسير أكثر منها إلى التأويل، لأن طابع الدعوة كان طابعًا تأسيسيًا، بينما بعد شهادة الرسول (صلى الله عليه وآله) انقلبت حركة الصراع إلى داخل الأمة، مما فرض الحاجة إلى التأويل، وعلى ضوء هذا المستجد وهذه الحقيقة، يأتي السياق الطبيعي لكلمة رسول الله (صلى الله عليه وآله) عندما قال لعلي (عليه السلام): [يا علي أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي، تقضي ديني وتنجز عداتي وتقاتل بعدي على التأويل كما قاتلت على التنزيل]([4]).

السرٌّ الكامن:

هذا الذي عرضت إلى ذكره واعتبرته الحقيقة الثالثة من حقائق الرسالة الخاتمة أحبّ أن أوضح بعض ما بُنِيَت عليه.

فأن يتخذ بيانها هاتين الطريقتين، فلا بدّ أن هناك سرًا يقف خلف هذه الظاهرة، فكان بإمكان السماء أن تنزل كتابًا من عندها بطريقة واضحة وأسلوب سهل ميسّر، يعقله كل قارئ دون الحاجة إلى معين يعين على فهمه ومعرفة مواقع كلامه ومرامي آياته الشريفة.

فلماذا اختارت السماء هذه الطريقة في إبداء معارف رسالتها، وهي قادرة على بيان ما تريد، دون الرجوع إلى الرسول ومن يقوم مقامه في التعريف بها والإظهار لبطونها وتفصيل مجملاتها ومواقع أَوْل الآيات وانطباقها عبر الزمن؟.

والذي اعتقده سببًا وراء هذه الظاهرة المشهودة للمتأملين، أو على الأقل من الأسباب الحقيقية الأولى وراء هذه الظاهرة، هو أن يربط الله الأمة بقادتها الحقيقيين وأمنائها الحقّانيين وساداتها الواقعيين، وأهم ميزة في القيادة والسيادة الصحيحة هي العلم والمعرفة، وخير ميدان لاختبار النفوس لمعرفة العالم من الجاهل، والأعلم من العالم، والراسخ من الزائل، والثقيل من الخفيف، والعميق من العابر - بعد تسليم الأمة بمرجعية القرآن وفخامته وقداسته ولزوم التدين به- هو العلم بمواقع كلامه وأنوار آياته.

لأجل ذلك أجمل القرآن الكريم بيانه وعقّد خطابه، وبناه على الإشارة الخفية واللطيفة المخفية، وساقه سوقًا لا تستجلي غوامضه إلا نفوس طاهرة زكية {لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ}([5])، ليظهر الله عز وجل بذلك فضل الفاضل وعلم العالم وحقانية المحق، وكذلك ليظهر كذب الكاذب وخدعة الخادع وبطلان المبطلين، فيقع ذلك في مرأى الأمة ومسمعها {لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ}([6]).

وإننا إذ نقول هذا القول وندّعي هذه الدعوى، لا نزيد بشيء عما جاء به القرآن نفسه، إذ يقول تعالى {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ}([7]).

وعلى هذا الأساس فرَّع الله عز وجل وجوب الرجوع في معرفة الكتاب وحقائق الخطاب، فقال عز وجل {فَاسْأَلوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ}([8]).

وقوله تعالى{أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً* وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ}([9]).

والذي يلوح لنا من سياسة الرسالة مع البيان إذ كان مجملاً لدى وعينا نحن، مفصّلاً في كلام الرسول وكلام آله صلى الله عليه وعليهم أجمعين، ويظهر بذلك فضل رسول الله (صلى الله عليه وآله) وفضل آله الأطهار عليهم السلام، بأعظم ميزة وأشرف منقبة اختص الله بها بشرًا من الأولين والآخرين، وهي فهم كتاب الله الجامع الذي فيه تبيان كل شيء، والذي لم يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها {مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ}([10])، فالعالم به المحيط بأسراره قد علم من علم الله، وحوى من مكنون سر الله، وأحاط بغامض أمر الله، ما جعله خزانة أسرار الله، ومستودع علم الله، وترجمان وحي الله، وعِدل كتاب الله، وثقل كلمة الله، ومظهر أسماء الله الحسنى، وصفاته العليا، والمشتمل على نور الله المودع في هذا الكتاب، فإذا كانت هذه المنقبة لا تربط الأمة بآل محمد، وبالتالي بمحمد نفسه (صلى الله عليه وآله)، وبالتالي بالكتاب الذي ندّعي الإيمان به، فلا ميزة لهم، فأي عقال يربط هذه الأمة إذن؟

والخلاصة: إننا نعتقد أن من أسرار جعل الكتاب العزيز مبنيًا على إجماله الواضح وفق ما عرضنا لتوضيحه، وجعل بيان رسول الله وبيان آله الأطهار مفصلاً، يهدف فيما يهدف إلى إظهار فضله وفضل أهل بيته، حتى لا يكون عذر لأحد في التخلف عن ولايتهم وطاعتهم والتبرؤ من أعدائهم، فعلى عدوهم لعائن الله ورسله وملائكته والناس أجمعين.

ختام

هذه بعض من حقائق الرسالة النبوية الخاتمة، واستيفاء الكلام حول جميع حقائقها العامة محتاج إلى مجال آخر، على أن هذه الحقائق الثلاث التي عرضنا لها أيضًا، هي بحاجة إلى تفصيل أكثر وبيان أوسع، نسأل الله التوفيق لذلك.

انتهى

ــــــــــــــــــ

 

[1] - هود:1.

[2] - النحل: 89.

[3] - العنكبوت من الآية 49.

[4] - كفاية الأثر- الخزاز القمي ص 135.

- [5] الواقعة:79.

[6] - الأنفال: من الآية42.

[7] - آل عمران:7.

[8] - النحل: 43.

[9] - النساء: 82- 83.

[10] - الأنعام: من الآية38.

 

115%