رسالة النجف

مبيت علي(ع)في فراش النبي(ص)

 

مبيت علي (ع) في فراش النبي (ص)

د. يحيى الشامي1

 لما راح الإسلام يقوى بثلّة من الرجال الأشداء، أمثال حمزة وأبي طالب، عمَيّ النبي (ص)، كان ذلك في بدء الدعوة.. "ولما رأت قريش أن أصحاب رسول الله (ص) - الذين هاجروا إلى الحبشة - قد نزلوا بلدًا أصابوا به أمنًا وقرارًا، وأن النجاشي قد منع من لجأ إليه منهم"، وحماهم، وأن جماعة من أنصار الأوس والخزرج في يثرب قد فتنوا بالدين الجديد وراحوا يروجون له في ظهرانيهم، وأن محمدًا (صلى الله عليه وآله) لم يتراجع عن دعوته أبدًا ولو وضعوا الشمس في يمينه والقمر في شماله، ثارت ثائرة قريش، فاجتمع الجحاجحة منها، وائتمروا بينهم "أن يكتبوا كتابًا يتعاقدون فيه على بني هاشم وبني المطلب، على أن لا يُنكحوا إليهم ولا يُنكحوهم، ولا يبيعوهم شيئًا، ولا يبتاعوا منهم، وكتبوا ذلك في صحيفة علّقوها في جوف الكعبة توكيدًا على أنفسهم"([1]).

فعلوا هذا كيدًا للإسلام، وتكذيبًا للنبي(صلى الله عليه وآله)، وتضييقًا عليه وعلى من صدّق دعوته من عشيرته الأقربين، فأقاموا على ذلك سنتين أو ثلاثًا، فيما النبي ورهطه من بني هاشم وبني المطلب بالشِّعب المسمى بشعب أبي طالب، يتعرّضون لشتى أنواع القهر والعسف والأذى، ما يردّ عنهم ذلك ولا يخفّف منه سوى أبي طالب عمّ النبي الذي كان له عضدًا وناصرًا وحرزًا، إذ كنت تراه يصول ويجول بين الصفين ذودًا عن النبي متهدّدًا، متوعدًا أئمة الكفر حينًا، منبّهًا ناصحًا حينًا آخر، مخاطبًا إياهم بالقول:

أفيقوا أفيقوا قبل أن يحفر الثرى
فلسنا وربّ البيت نسلم أحمدًا
ولسنا نملّ الحرب حتى تملنا

 

 

ويصبحَ من لم يجنِ ذنبًا كذي الذنب
لعرّاء من عضّ الزمان ولا كرب
ولا نشتكي ما قد ينوب من النكب([2])

 

أما كاتب الصحيفة، وهو منصور بن عكرمة، فشلّت يده، وأما الصحيفة فأرسل الله عليها الأرضة، فأكلت ما فيها إلا ما كان يدل على اسم الله تعالى فلم تأكله الأرضة، آية من آياته سبحانه، فلما علم النبي بذلك عن طريق جبرائيل، كلّف عمه أبا طالب أن يخرج من الشعب فيأتي الحرم، فيعلم قريشًا بأمر الصحيفة، فما ازدادوا إلا كفرًا وعنادًا، "قائلين له: إنما تأتوننا بالسحر والبهتان"([3]).

وأما أبو طالب، فاختاره الله إليه، كان ذلك قبل مهاجر النبي إلى المدينة بثلاث سنين، ما دفع بقريش إلى أن تنال من رسول الله من الأذى ما لم تكن تطمع به في حياة أبي طالب، فخرج عليه الصلاة والسلام إلى الطائف يلتمس النصرة من ثقيف، فما زاده أهل الطائف إلا رهقًا، كان ذلك في سنة خمسين من مولده الشريف([4])، فالتجأ إلى الله بالدعاء قائلاً:

"اللهم إليك أشكو ضعف قوتي، وقلة حيلتي، وهواني على الناس، يا أرحم الراحمين، أنت رب المستضعفين، وأنت ربي، إلى من تكلني؟ إلى بعيد يتجهمني؟ أم إلى عدوّ ملّكته أمري؟ إن لم يكن بك عليّ غضب فلا أبالي، ولكن عافيتك هي أوسع لي، أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات، وصَلُح عليه أمر الدنيا والآخرة، من أن تنزل بي غضبك، أو يحلّ عليّ سخطك، لك العتبى حتى ترضى، ولا حول ولا قوة إلا بك"([5]).

ثم إن النبي (صلى الله عليه وآله) انصرف من الطائف راجعًا إلى مكة، فراح يعرض نفسه في المواسم على قبائل العرب يدعوهم إلى الله، ويخبرهم أنه نبي مرسل، فآمن بعضُهم، وكفر بعضهم الآخر، وإن من الذين عرض عليهم الإسلام من القبائل، فأبوا، بني كليب، وبني حنيفة، وبني عامر، وإن من الذين عرض عليهم الدعوة إلى الإسلام فآمنوا وصدّقوا رهطًا من الخزرج، من أهل المدينة، كانوا ستة أنفار، "فلما قَدِم هؤلاء إلى قومهم، ذكروا لهم رسول الله (صلى الله عليه وآله)، ودَعَوهم إلى الإسلام حتى فشا فيهم، فلم تبقَ دارٌ من دور المدينة إلا وفيها ذكر من رسول الله، حتى إذا كان العام المقبل، وافى الموسم من الأنصار اثنا عشر رجلاً، من الأوس والخزرج، فلقوا النبي بالعقبة الأولى، فبايعوه على بيعة النساء"([6])، ثم كانت العقبة الثانية، وفيها بايع رسول الله ثلاثة وسبعون رجلاً، وامرأتان، وكان النبي قبل بيعة العقبة لم يؤذَن له في الحرب، ولم تُحلل له الدماء، ما أغرى قريشًا بالمزيد من العصيان لأمر الله، والإصرار على اضطهاد الذين اتبعوا النبي من المهاجرين، فساموهم عذابًا، ونفيًا لهم في كل وجه، إلى أن أذن الله لنبيّه - وقد بايعته الأنصار على النصرة له، وإيواء من اتّبعه من المسلمين - في الحرب، فأمر أصحابه ومن كان معه بمكة بالخروج إلى المدينة، واللحوق بإخوانهم من الأنصار، وكان سبقهم إليها أبو سلمة عبد الله بن عبد الأسود المخزومي، ثم تبعه عامر بنُ ربيعة، ثم عبد الله بن جحش الأسدي، وغيرهم من الرجال، أما النسوة فكان فيهنّ "زينب بنت جحش، وأم حبيب بنت جحش، وجذامة بنت جندل، وغيرهنّ...." ([7])

ثم تتابع نزول المهاجرين على المدينة، بأمر من النبي، فرارًا من عتوّ مشركي قريش وأحلافهم، نذكر منهم طلحة بن عبيد الله، وصهيب بن سنان، وحمزة بن عبد المطلب، وزيد بن حارثة، وعبيدة بن الحارث، وعمر بن الخطاب، وعبد الرحمن بن عوف، والزبير بن العوام، وعثمان بن عفان، ومصعب بن عمير بن هاشم، وأبا حذيفة بن عتبة، وسالمًا مولاه، وغيرهم، ولم يبقَ مع النبي في مكة سوى أبي بكر بن أبي قحافة، وعلي بن أبي طالب، منتظرًا الإذن بالهجرة واللحاق بمن سبق([8]).

تفرّق المهاجرون، أوائلهم وأواخرهم، وبأمر من النبي (صلى الله عليه وآله) في الأمصار، وتلقّفتهم بعض القبائل، لكنّ معقلهم الأساس كان يَثْرب حيث لقوا من الأوس والخزرج خاصة كل ترحاب، الأمر الذي أغاظ مشركي مكة وأئمة الكفر من قريش، فتداعى هؤلاء إلى التشاور فيما بينهم، حذَرَ خروج النبي من مكة، فاجتمعوا في دار الندوة المحاذية للكعبة، وهي الدار التي كانت لقصي بن كلاب، وإن فيهم عتبة، وشيبة، وأبا سفيان، والنضر بن الحارث، وأبا جهل بن هشام بن الحارث، وأمية بن خلف، وأبا البختري بن هشام، وربيعة بن الأسود، وحكيم بن حزام بن خويلد، فاقترح بعضهم أن يحبسوا النبي في الحديد، ويغلقوا عليه الباب، فيصيبه ما أصاب الشعراء من قبله من الهلاك، فسفّه هذا الرأي إبليس الذي حضر ندوتهم بصورة شيخ نجديّ، فاقترح بعضهم الآخر أن ينفوا النبي من أرضهم، فاعترض إبليس قائلاً: لو فعلتم ذلك لحلّ على حيّ من أحياء العرب، فيغلب عليهم بحلاوة منطقه، وحسن حديثه، ثم يسير بهم إليكم، حتى يطأكم، ويأخذ أمركم من أيديكم([9]).

لا هذا ولا ذاك، فما الحلّ إذًا، وكيف التخلّص من هذا المسمى محمدًا (صلى الله عليه وآله)، الذي جاء يسفّه آلهة قريش، مزريًا عليها عبادتها للأصنام والأوثان؟

الحلّ، تجده عند كبير عتاة قريش، وأحد ألدّ أعداء النبي (صلى الله عليه وآله)، تجده عند أبي جهل الذي اقترح على مشيخة قريش أن يأخذوا من كل قبيلة فتى نسيبًا، ثم يُعطوه سيفًا، ثم يقوم هؤلاء جميعًا بضرب محمدٍ (صلى الله عليه وآله) ضربة رجل واحد، فيقتلوه، فإن هم فعلوا ذلك تفرّق دمه في القبائل وبطون قريش، فيعجز بنو هاشم عن حرب هذه البطون مجتمعةً، أو يرضون بالدية، أو العقل، رأيٌ مصيب من وجهة نظر هؤلاء المستكبرين، لكنه من الخطورة والفظاعة والهول، ومن المكر الذي ما إنه لتزول منه الجبال، على جانب كبير.. رأي استحسنته مشيخة قريش، واستحسنه الرجل النجدي، عدوّ الله الذي هو إبليس، فقال: "القول ما قال الرجل، هذا الرأي"([10]).

أجل، هذا هو الرأي، ويا للخبث والمكيدة، والمؤامرة...! رأي يتمثّل بتصفية محمدٍ (صلى الله عليه وآله) تصفية جسدية، تنوشه السيوف، سيوف غدر قبائل العرب وبطون قريش دفعة واحدة، فيذهب دمه هدرًا، أو يتفرّق في سائر العرب، وإذ ذاك يُلفي بنو عبد مناف الذين منهم هاشم، فعبد المطلب، فعبد الله، يُلفون أنفسهم قاصرين عن إدراك الثأر، عاجزين عن الانتقام، أو هم يرضون بالدية، فيخلو لِكُبّار قريش وجهُ آلهتهم التي كانوا يعبدون..

لو قدّر لهذا الأمر الذي ما قدّره الله، وحاشى لله، لو قُدّر ذلك، والإسلام في مهده، والرسالة لمّا تكتملْ، والوحي لمّا ينقطع، لما كان ثمّة إسلام، ولا رسالة، ولكان ارتدّ كثير ممن آمن بالنبي من المهاجرين الأوائل، ومن الذين نصروا هذا الدين، وتاليًا لما كان تحقّق حلم البشرية في دولة الإسلام التي هي خاتمة الدول، مبشرًا بها الله سبحانه أنبياءه من قبل، وعباده الذين يرثون الأرض، من الصالحين..

لو قدّر ذلك، ومعاذ الله، فأيّ معنى لشريعة ناقصة لم تستوفِ غايتها، وأي معنى لكتاب سماوي لم تكتمل فصوله وآياته؟ ماذا؟ المؤامرة كبيرة، ومشركو هذه البلدة الظالمِ أهلُها مصرّون على تصفية محمد (صلى الله عليه وآله)، وعلى التخلص منه بأي ثمن من الأثمان.

أوقات عسيرة حرجة، ما كان أشد وطأتها على المؤمنين وعلى رسوله، الذي ما كان الله ليذره هدفًا سهل المنال لكيد الكائدين، ومكر الماكرين، فها هو جبرائيل يأتي النبي، بأمرٍ من الله سبحانه، فيأمره بالخروج سرًّا من مكة إلى المدينة، وبعدم المبيت في فراشه تلك الليلة، أسرّ النبي (صلى الله عليه وآله) بالخبر إلى ابن عمّه عليّ، ويا لسرور علي لمّا كلّفه النبي بالمبيت على فراشه من حيث لا تعلم قريش أن عليًا هو البائت على الفراش، بل هو محمد (صلى الله عليه وآله) بشخصه ولحمه ودمه، تمامًا على حاله التي كان يكون عليها من قبل...

وكدأب علي في كل موقف من مواقفه، فإنه لم يتردّد، ولم يختلج، ولم يتهيّب، بل صدَع بما أمره الحبيب محمد (صلى الله عليه وآله)، فنام تلك الليلة على فراش الحبيب، متّشحًا ببُرده الأخضر، غير وَجِلٍ ولا عابئٍ بالخطر المحدق به، وبالسيوف المشرعة التي سوف تهوي عليه، لا محالة، تحملها زنودٌ من فتية بطون العرب من قريش، ويا للخطب!

بات عليٌّ على فراش النبي، ولم يساوره شكٌّ في أنه إن قُتل تلك الليلة، فإن في ذلك نجاة رسول الله من سيوف المشركين، وهذا هو المهم في نظر علي، أن يَسْلَم رسول الله، وأن تظهر كلمة الله، ولسان حاله يردد:

سأسعى لوجه الله في نصر أحمد ** نبي الهدى المحمودِ طفلاً ويافعا([11])
 

يتبع =


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1. دكتوراه دولة في الآداب.

[1] - السيرة النبوية لابن هشام، ج1، ص350.

[2] - نفسه، ج1، ص353.

[3] - انظر: الكامل لابن الأثير، ج1 ص606.

[4] - التنبيه والإشراف للمسعودي، ص200.

[5] - انظر: السيرة لابن هشام: 1/420

[6] - انظر: السيرة النبوية: 2/293.

[7] - نفسه: 1/472

[8] - انظر: السيرة النبوية: 1/480.

[9] - انظر: الكامل: 2/3.

[10] - نفسه: 2/4.

[11] - هذا البيت من جملة أبيات قالها الإمام علي عليه السلام مجيبًا والده أبا طالب عليه السلام حين طلب منه أن يبيت في فراش النبي (صلى الله عليه وآله)، راجع مناقب أهل البيت عليهم السلام للمولى حيدر الشيرواني ص61، تحقيق محمد الحسون، طبعة سنة 1414هـ، مطبعة المنشورات الإسلامية؛ وشرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 14/64.

.

تتمة مقال - مبيت علي (ع) على فراش النبي (ص)

بات عليّ على فراش النبي في تلك الليلة، فلما جاء القوم الذين تمالؤوا على قتل النبي، وبأيديهم السيوف يرصدون طلوع الفجر، ليقتلوه جهارًا،على مرأى من بني هاشم، فيذهب دمه هدرًا، "وأتاهم آتٍ، فقال للملأ: ماذا تنتظرون؟ قالوا محمدًا (صلى الله عليه وآله)، قال: خيّبكم الله، لقد خرج عليكم ولم يترك أحدًا منكم إلا وجعل على رأسه التراب، فوضع الملأ أيديهم على رؤوسهم، فرأوا التراب، وجعلوا ينظرون، فيرون عليًا نائمًا، وعليه بُرد النبي، فيقولون إن محمدًا لنائم، فلم يبرحوا كذلك حتى أصبحوا، فقام من الفراش، فعرفوه، فلما سألوه عن النبي، قال: لا أدري، أمرتموه بالخروج فخرج"([1]).

يا للتضحية والفداء، ويا لعلي، ما كان أشجعه، وأثبت جنانه، وأصدقَ إيمانه! ويا لهذه المنقبة الني لم يشركه فيها - وبحسب تعبير الشيخ المفيد - أحد من أهل الإسلام، ولا اختص بنظير لها على حال، ولا مقارب لها في الفضل بصحيح الاعتبار([2]).

منقبة لعلي ما كان أعظمها وأشرفها، كيف وقد وهب الإمام نفسه لله، وشراها من الله، وبذلها دون النبي، طاعةً له ولله، طمعًا في الفوز برضى الله، وذودًا عن رسول الله، وحرصًا على تثبيت دعائم دين الله، وإظهار شريعة الله.. منقبة ما كان الله إلا لينوّه بها في محكم كتابه العزيز، فها هو الوحي يتنزّل على النبي، وهو في الطريق من مكة إلى المدينة، من بعد أن مكث قليلاً في غار ثورٍ، بعيدًا عن عيون المشركين، ها هو الوحي يتنزّل عليه خاصًا عليًا بالآية التي تقول {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ}([3])، شرفًا ما بعده شرف، وفضيلة ليس يعدلها فضيلة، تقول الرواية التي تحدّثت عن أسباب نزول هذه الآية الشريفة أن عليًا لما نام على فراش النبي، قام جبرائيل عند رأسه، وميكائيل عند رجليه، وجبرائيل ينادي: بخٍ، بخٍ، من مثلك يا ابن أبي طالب، يباهي الله بك الملائكة!؟ ([4]).

وفي تفسير الرازي أن عليًا لما بات على فراش النبي، والمشركون يحيطون به من كل جانب ظنًا منهم أنه النبي، كان الله سبحانه، يواخي بين جبرائيل وميكائيل، قائلاً: (إني آخيت بينكما، وجعلت عمر أحدكما أطول من عمر الآخر، فأيكما يؤثر صاحبه بالحياة؟ فاختار كلاهما الحياة، فأوحى الله إليهما: ألا كنتما مثل علي بن أبي طالب، آخيت بينه وبين محمد (صلى الله عليه وآله)، فبات على فراشه ليفديه بنفسه، ويؤثره بالحياة.. اهبطا إلى الأرض، فاحفظاه من عدوّه.. فنزلا، فكان جبرائيل عند رأسه، وميكائيل عند رجليه، وجبرائيل ينادي: بخٍ بخٍ، من مثلك يا ابن أبي طالب يباهي الله بك الملائكة، فأنزل الله تعالى الآية الآنفة الذكر([5])، وهكذا تمت كلمة ربك، وليحقّ الحق بكلماته ولو كره الكافرون.

وبخصوص هذه المنقبة التي لا يُدرَكُ علو مقامها وعظيم شأنها، فما أحسن أن نشير إلى ما أورده الشريف المرتضى في فصوله المختارة من عيون ومحاسن كلام الشيخ المفيد رحمه الله، وكان الشيخ قد أفرد بحثًا قابل فيه بين تعبّد إسماعيل النبي بالصبر على ذبح أبيه إبراهيم له، ثم مدحه بذلك وتعظيمه له بالقول {إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ}([6])، وبين تعبّد أمير المؤمنين علي بالمبيت على فراش النبي إذعانًا لأمر رسول الله ولأمر أبيه أبي طالب، يقابل الشيخ المفيد رحمه الله، بين التعبّدين فيرى أن محنة أمير المؤمنين أعظم من محنة إسماعيل، وأن الفضل الذي حصل لأمير المؤمنين يرجح على كل فضيلة، ذلك أن إبراهيم قال لابنه إسماعيل {فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ}([7]).

استسلم إسماعيل لهذه المحنة مع علمه بإشفاق الأب على ابنه، وظنّه أن المقال خرج معه مخرج الامتحان له في الطاعة، دون تحقق العزم على إيقاع الفعل، فيزول كثير من الخوف معه، وترجى السلامة عنده، فيما عليّ (عليه السلام)، كان يعلم أن قريشًا أغلظ الناس على رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وأقساهم قلبًا([8]).

وأيًا يكن، وبعيدًا عن مناقشة هذا الرأي، فذلكم هو مبيت الإمام علي على فراش النبي، كان ذلك في أخريات أيام إقامة النبي بمكة، وتحديدًا في شهر ربيع الأول من السنة التي كانت فيها الهجرة.. وذلكم هو إمامكم الذي قدّم أروع أمثلة الفداء والتضحية، في الذود بالنفس عن النبي، والذبّ عنه، في جميع المواقف والمشاهد، كيف وهو الذي ما عُرف عنه قطّ أنه نكص عن الامتثال لأمرٍ من أوامر رسول الله (صلى الله عليه وآله)، يشهد على ذلك العدوّ والصديق، أليس هو القائل: "ولقد علم المستحفظون من أصحاب محمد (صلى الله عليه وآله) أني لم أردّ على الله ولا على رسوله ساعة قط، ولقد واسيته بنفسي في المواطن التي تنكص فيها الأبطال، وتتأخر فيها الأقدام، نجدةً أكرمني الله بها، ولقد قبض رسول الله (صلى الله عليه وآله) وإن رأسه لعلى صدري، ولقد سالت نفسه في كفي فأمررتها على وجهي، ولقد وليت غسله (صلى الله عليه وآله) والملائكة أعواني، فضجّت الدار والأفنية، ملأ يهبط وملأ يعرج، وما فارقت سمعي هينمة منهم، يصلّون عليه حتى واريناه في ضريحه"([9]).

فالصلاة والسلام على النبي، وعلى أمير المؤمنين علي، وعلى آل النبي، وبورك ثرىً ضمّ فراش النبي، ومن بات تلك الليلة على فراش النبي.

انتهى

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] - انظر: الكامل: 2/4 ؛ وانظر السيرة: 1/485.

[2] - الإرشاد: 1/53

[3] - سورة البقرة:207.

[4] - انظر: مجمع البيان، الطبرسي: 2/174؛ وانظر حديث مبيت علي على فراش النبي في المصادر التالية: التفسير الكبير للفخر الرازي: 15/155 ؛ ومسند أحمد: 1/348 ؛ والمستدرك على الصحيحين: 3/4 ؛ وأسد الغابة: 4/19 ؛ وتاريخ اليعقوبي: 2/39 ؛ وتاريخ بغداد: 13/191.

[5] - تفسير الرازي: 2/189.

[6] - سورة الصافات:106.

[7] - سورة الصافات:102.

[8] - انظر: الفصول المختارة: 2/61.

[9] - نهج البلاغة: 1/97.

مصادر البحث ومراجعه

- مجمع البيان للطبرسي، دار مكتبة الحياة، بيروت، 1961.

- السيرة النبوية لابن هشام، دار الكنوز الأدبية، بيروت.

- نهج البلاغة، تحقيق الشيخ محمد عبده، دار المعرفة، بيروت.

- الفصول المختارة للسيد المرتضى، دار المفيد، ط2، بيروت، 1993.

- التنبيه والإشراف للمسعودي، دار صعب، بيروت.

- الكامل في التاريخ لابن الأثير، دار الكتب العلمية، ط3، بيروت، 1998.

- الإرشاد للشيخ المفيد، دار المفيد، ط2، بيروت، 1993.

115%