رسالة النجف

إطلالة على كتاب الكافي

 

إطلالة على كتاب الكافي الشريف

الشيخ أمين ترمس1

 

إن المشهور بين العلماء أن أدلة الأحكام هي أربعة: الكتاب، والسنة، والعقل، والإجماع، إلا أن المتأمل بعين الإنصاف يعلم أن العمدة في إثبات الحلال والحرام، والفرائض والسنن، هو الحديث الشريف.

ومن هنا كان حرص النبي (صلى الله عليه وآله) على تدوين الحديث، وحثّ أصحابه على جمعه والاعتناء به، فقد روي عنه (صلى الله عليه وآله) أنه قال: (اكتبوا هذا العلم) ([1])،و(قيدوا العلم بالكتاب) ([2])، ونحو ذلك كثير، وبُعيد انتقال النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله) إلى الرفيق الأعلى، مُنع تدوين الحديث بشكل رسمي من قِبل مَن وضعوا أنفسهم في مكانٍ ليس لهم، ولأغراض معروفة، ولكنّ أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) ومَن كان حوله لم يصغوا لهذا المنع، بل في قبال ذلك جاهر أمير المؤمنين (عليه السلام) مؤكدًا على ما أمر به رسول الله (صلى الله عليه وآله)، واستمر المخلصون بالتدوين والكتابة غير آبهين بقرارات السلطة، فخرج نتيجة ذلك إلى الملأ عدّة مصنفات، وانتشرت بين الناس، ومرّت هذه المسيرة بمراحل صعبة، إلى أن اتّسعت وتطورت، فكُتب في زمن الإمامين الباقر والصادق (عليهما السلام) فقط آلاف الكتب والرسائل، وفي شتى حقول العلم والمعرفة، وكان للعلوم الشرعية الحظ الأوفر من بينها، فبرزت جملة من تلك الكتب عُرفت فيما بعد بالأصول الأربعمائة، وهي أربعمائة مصنَّف لأربعمائة مصنِّف، وقد صرّح الحر العاملي في خاتمة كتابه الوسائل: أنه أحصى تلك الكتب التي دوّنت في عصر الأئمة (عليهم السلام) فزادت على ستة آلاف وستمائة كتاب([3]).

فمن هنا نقف على أهمية الدور الذي قام به أصحاب الكتب الأربعة -"الكافي" للشيخ الكليني، و"مَن لا يحضره الفقيه" للشيخ الصدوق، و"التهذيب" و"الاستبصار" للشيخ الطوسي - من جمع وحفظ لأهمّ تلك الروايات التي وردت في المصنّفات السابقة عليهم، ولأجل ذلك كانت لهم تلك المكانة الرفيعة، والمنزلة السامية عند علماء الإمامية، منذ ما يزيد على ألف سنة خلت، وحتى عصرنا الحاضر، وما ذلك إلا لما امتازت به من ميزات وخصائص لا توجد في غيرها مما كُتب، وكان صاحب الدور الأبرز من هؤلاء العظماء، هو الشيخ محمد بن يعقوب الكليني، ولكتابه الكافي، فقد كان - بحقٍّ - النجم الساطع، والنور المتألّق من بينها، وذلك لما امتاز عن المميَّز، وارتفع عن الرفيع، فهو الأول تأليفًا من بينها، والأقدم تاريخًا، والأشمل موضوعًا، والأكثر رواية، والأصح سندًا، والأقرب إلى عصر المعصومين زمانًا.

انطلاقًا مما تقدم سأخصّص البحث في هذه الدراسة حول كتاب الكافي محاولاً الإضاءة على بعض جوانبه، رغم العديد مما كُتب فيه، إلا أنني سأحاول أن أذكر شيئًا جديدًا قلما ذكره أحد، أو ذُكر إلا أنه كان بشكل مختصر وغير وافٍ، أو كان فيه أوهام عديدة.

أقول وبالله التوفيق:

إن كتاب الكافي لمؤلّفه ثقة الإسلام الشيخ محمد بن يعقوب الكليني (ت 329هـ)، استأثر بالمرتبة الأولى من بين الكتب، وأَسَر لبّ العلماء والمحققين، والفضلاء والمجتهدين، وما كلّ ذلك إلا لاشتماله على خصائص لا تُوجد في غيره، وتفرّد بأمور لم يسبقه إليها أحدٌ من قبله، فقد أمضى (رحمه الله) في تأليفه مدة عشرين سنة، عاكفًا على أصول أصحاب الأئمة وكتبهم يجمع بينها، وينتخب منها حتى اجتمع لديه منها الشيء الكثير، فهذّبها في أحسن تهذيب، ورتّبها في أجمل ترتيب، وبوّبها على حسب حاجة المكلف إليها، ولأجل ذلك وصفه كبار العلماء - قديمًا وحديثًا - بأوصاف لم يُوصف بها غيره.

ثناء العلماء على كتاب الكافي

قال شيخ مشايخ الطائفة محمد بن محمد بن النعمان المفيد (ت 413هـ) أنه: "من أجلّ كتب الشيعة وأكثرها فائدة"([4]).

وقال الشهيد الأول محمد بن مكي العاملي (ت786هـ) في إجازته لعلي بن الحسن المعروف بابن الخازن الحائري: "... كتاب الكافي في الحديث الذي لم يُعمل للإمامية مثله"([5]).

وقال الشيخ إبراهيم القطيفي في إجازته للشيخ شمس الدين الاسترابادي في سنة 920هـ: "... وكتاب محمد بن يعقوب الكليني، فإنه كافٍ شافٍ وافٍ"([6]).

وقال الشيخ المحقق علي بن الحسين الكركي (ت 940هـ) في إجازته للقاضي صفي الدين عيسى: "... ومنها جميع مصنفات ومرويات الشيخ الإمام السعيد الحافظ المحدّث الثقة جامع أحاديث أهل البيت (عليهم السلام) أبي جعفر محمد بن يعقوب الكليني، صاحب الكتاب الكبير في الحديث المسمى بالكافي، الذي لم يُعمل مثله... وقد جمع هذا الكتاب من الأحاديث الشرعية والأسرار الربانية ما لا يوجد في غيره..[7]"

وقال الفيض الكاشاني (ت1091هـ) في وصفه للكتب الأربعة: " وأما الكافي، فهو... أشرفها وأوثقها وأتمّها وأجمعها لاشتماله على الأصول من بينها، وخلّوه من الفضول وشينها"([8]).

وقال العلامة الشيخ محمد باقر المجلسي (ت1111هـ) في مقدمة شرحه على الكافي: "وابتدأت بكتاب الكافي للشيخ الصدوق ثقة الإسلام مقبول طوائف الأنام، ممدوح الخاص والعام، محمد بن يعقوب الكليني، حشره الله مع الأئمة الكرام، لأنه كان أضبط الأصول وأجمعها، وأحسن مؤلفات الفرقة الناجية وأعظمها"([9]).

وأكتفي بهذه الكلمات، لأن القارئ الكريم يستطيع أن يكوّن من خلالها صورة واضحة جليّة عن أهمية كتاب الكافي، ولو أردت أن استقصي ما قيل فيه لطال بنا الكلام، وخرجنا عن المقام.

ومن الواضح أن ثناء العلماء الأعلام ومدائحهم لا ترجع إلى حجم الكتاب وكثرة أحاديثه، لأنه كُتب قبله وبعده بما زاد عليه حجمًا وعددًا، وإنما نال هذا الإطراء لاشتماله على ميزات لم يشتمل عليها غيره.

ترتيب الكافي

قسّم الشيخ الكليني كتابه إلى ثلاثة أقسام: - الأصول والفروع والروضة - وقد طبع مؤخرًا في ثمانية أجزاء:

الأول والثاني اشتملا على كامل الأصول.

والثالث إلى نهاية السابع، على كامل الفروع الفقهية ابتداءً من الطهارة، وانتهاءً بكتاب الأيمان والنذور والكفارات.

والجزء الثامن والأخير خُصّص للروضة، من خلال اسمه يُعرف محتواه ومضمونه، فكان مجموع الكتب فيه خمسة وثلاثين كتابًا حسب الطبعة المشار إليها، وزادت الأبواب فيها على الألفين والمئتين، وعدد الأحاديث على الخمسة عشر ألفًا وخمسمئة، هذا ووقع اختلاف بسيط بين ما ذكره الشيخ الطوسي والشيخ النجاشي في عدد كتب الكافي، فقد أسقط كلٌّ منهما بعض الكتب، ووحّدا بعضًا آخر منها، فوقع الاختلاف بينهما، إلا أنهما اتفقا على أن كتاب الروضة من جملته وخاتمته.

شبهة حول نسبة الروضة للكليني

نقل الميرزا عبد الله أفندي الأصفهاني (من أعلام القرن الثاني عشر هجري)، عن الشيخ خليل بن الغازي القزويني الأخباري (ت1089هـ) أنه يقول: "إن الروضة ليست من تأليف الكليني رحمه الله، بل هو من تأليف ابن إدريس، وإنْ ساعده في الأخير بعض الأصحاب، وربما ينسب هذا القول الأخير إلى الشهيد الثاني أيضًا، ولكن لم يثبت"([10]).

وقبل هذا الشيخ لم أعثر على أيّ كلام فيه تشكيك، فضلاً عن الاعتقاد بأن الروضة ليست من تأليف الشيخ الكليني، ولا أدري ما الذي حمل هذا الشيخ، وربما غيره، على هذا الكلام، ولا أرى له أيّ مبرّر على الإطلاق، علمًا أن الشيخ القزويني شرح كتاب الكافي مرتين، الأولى باللغة العربية، وهو شرح كامل وسماه(الصافي في شرح الكافي)، وأخرى باللغة الفارسية وهو شرح غير كامل، وسماه (الشافي في شرح الكافي) ([11]).

وعلى كل حال، فهذا الزعم باطل جزمًا من عدة وجوه:

الأول: إن طريقة الشيخ الكليني في جميع كتاب الكافي متحدة مع ما في الروضة من حيث الشيوخ والأسانيد والطريقة والأسلوب، فإن من روى عنهم في الروضة هم أنفسهم الذين روى عنهم في سائر الأجزاء من الكافي، وما فيها عن غير مشايخه المباشرين، فهو معلّق - حسب مصطلح علم الدراية - على سابقه كما هو معلوم من طريقته في جميع أجزاء الكافي.

الثاني: وجود عدد كبير من الروايات رواها الشيخ الكليني في الروضة عن عدة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، أو عن أحمد بن محمد بن عيسى، أو عن أحمد بن محمد بن خالد، وهذه الطريقة للعدد الثلاث ليست موجودة إلا عند الشيخ الكليني، وإن وجدت عند غيره، فهو عنه ينقل وعليه يعتمد.

الثالث: ذكر كل من الشيخ النجاشي في كتابه([12])، والشيخ الطوسي في فهرسه([13])، وبشكل صريح لا لبس فيه أن كتاب الروضة هو خاتمة كتاب الكافي، ومن أعرف بكتب الأصحاب منهما!؟ خصوصًا لمثل الكليني القريب منهما، والمشهور عندهما.

الرابع: إني لاحظت - وبشكل عابر - فوجدت عددًا من الأحاديث هي نفسها كان الشيخ الكليني قد رواها في الأصول والفروع من دون اختلاف سندًا ومتنًا.

وعلى سبيل المثال لا الحصر، لاحظ الروضة ص151، حديث 135، فإنه قد تقدّم في الجزء الثاني ص174 باب 75 حديث 16 بعينه.

وكذلك ص306 رقم476، فإنه تقدم أيضًا في الجزء الثاني ص296، باب 116 حديث 14 بعينه.

الخامس: إذا لم تكن الروضة للكليني، فلمن هي إذًا؟! ولم يدّع أحد من الأصحاب أنها له، وما قيل بأنها لابن إدريس الحلي - الذي هو بعد الكليني بأكثر من قرن ونصف قرن من الزمن - لا دليل يؤيده، ولا اعتبار يساعده، هذا مع بُعد الطبقة واختلاف الطريقة بين مشايخ أسانيد الروضة وابن إدريس.

السادس: إن نقل الأصحاب واعتمادهم قديمًا وحديثًا على كتاب الكافي بأقسامه الثلاثة، الأصول والفروع والروضة، من دون أي تردّد، أو أدنى تأمّل فيها إنما يكشف عن تعاملهم مع الكافي بما فيه الروضة على أنها منه، ولم نر أو نسمع من احدٍ تشكيكًا سوى من تقدّم ذكره.

وأخيرًا أشير إلى أن بعضهم ذكر مما استدل به على أن الروضة هي من الكافي بما جاء في نهاية الجزء السابع من الطبعة الحديثة المتداولة: ((... ويتلوه كتاب الروضة من الكافي إنشاء الله)).

والصحيح أن هذه العبارة أضيفت مؤخّرًا على الكتاب لدواعٍ فنيّة فقط، وإلا فهي غير موجودة في الطبعات القديمة الحجرية، ولا في المخطوطات للكتاب.

يتبع =

ـــــــــــــــــــــــ

1. مبلّغ ديني ومدرّس في الحوزة العلمية.

[1]  - كنز العمال، للمتقي الهندي: ج10، ص262، ح29389.

[2]  - تقييد العلم، للخطيب البغدادي: ص69.

[3]  - وسائل الشيعة: 30/165، نهاية الفائدة الرابعة.

[4]  - تصحيح الاعتقاد،: ص70.

[5]  - لاحظ إجازات بحار الأنوار: 107/190.

[6]  - المصدر السابق: 108/114.

[7]  - المصدر السابق: 108/75.

[8]  - الوافي: 1/5.

[9]  - مرآة العقول: 1/34.

[10]  - رياض العلماء وحياض الفضلاء: 2/262.

[11]  - لاحظ أمل الآمل: 2/112، رقم 314 ؛ ورياض العلماء: 2/265.

[12]  - رجال النجاشي: ص377، رقم 1026.

[13]  - الفهرست، الطوسي: ص326، رقم 709.

 

.

تتمة مقال - إطلالة على كتاب الكافي

دعوى صحة جميع ما في الكافي

ادعى جماعة أن جميع ما في الكافي صحيح معتبرٌ، ولا حاجة إلى البحث عن سند رواياته، وهذا الكلام لم يصدر عن جملة من الأخباريين فقط -الذين عُرفوا بنظرتهم الخاصة تجاه الكتب الأربعة بل جميع الكتب المشهورة- وإنما نُقل ذلك عن بعض كبار الأصوليين، فقد نقل السيد الخوئي " قدس سره" (ت 1413هـ) عن أستاذه الشيخ محمد حسين النائيني "قدس سره"(ت 1355هـ)،أنه كان يقول في مجلس بحثه: ((إن المناقشة في إسناد روايات الكافي حِرفة العاجز)) ([1]).

وقد استدل أصحاب هذه الدعوى بعدّة وجوه، أهمها:

( أ ) ما قاله الشيخ الكليني نفسه في خطبة الكافي: ((وأما بعد فقد فهمت يا أخي ما شكوت... وذكرت أن أمورًا قد أشكلت عليك، لا تعرف حقائقها لاختلاف الرواية فيها.. وقلت إنك تحبّ أن يكون عندك كتاب كافٍ يجمع فيه من جميع فنون علم الدين ما يكتفي به المتعلّم، ويرجع إليه المسترشد، ويأخذ منه من يريد علم الدين والعمل به بالآثار الصحيحة عن الصادقين عليهم السلام، والسنن القائمة التي عليها العمل وبها يؤدّى فرض الله عز وجل، وسنّة نبيه صلى الله عليه وآله... وقد يسّر الله - وله الحمد - تأليف ما سألت، وأرجو أن يكون بحيث توخّيت..)) ([2]).

ووجه الاستدلال بهذه الفقرة أن السائل طلب من الشيخ الكليني أن يكتب كتابًا يكون جامعًا لفنون علم الدين بالآثار الصحيحة عن الصادقين (عليهم السلام)، والشيخ الكليني قد استجاب لطلبه ومراده.

والذي يظهر من كلام الشيخ الكليني هذا، أنه كتبه بعد إتمام كتابه ((وقد يسّر الله تأليف ما سألت))، وهذا يعني أن جميع ما أودعه في كتابه هو من الآثار الصحيحة عن الصادقين (عليهم السلام).

أقول: إن دعوى أن الكليني قال هذا الكلام بعد تأليفه الكتاب ليست بعيدة، بل في العبارة المتقدّمة وغيرها أكثر من دليل عليها.

وأما أن الكليني شهد بصحة جميع ما أودعه في كتابه وأنها عن الصادقين (عليهم السلام) فهذا لا يمكن الموافقة عليه، وذلك لأمور:

أولاً: ((إن السائل إنما سأل محمد بن يعقوب تأليف كتاب مشتمل على الآثار الصحيحة عن الصادقين (عليهم السلام) ولم يشترط عليه أن لا يذكر فيه غير الرواية الصحيحة، أو ما صحّ عن غير الصادقين (عليهم السلام)، ومحمد بن يعقوب قد أعطاه ما سأله، فكتب كتابً مشتملاً على الآثار الصحيحة عن الصادقين (عليهم السلام) في جميع فنون علم الدين، وإن اشتمل كتابه على غير الآثار الصحيحة منهم (عليهم السلام)، أو الصحيحة عن غيرهم أيضًا استطرادًا وتتميمًا للفائدة، إذ لعل الناظر يستنبط صحة رواية لم تصح عند المؤلف، أو لم تثبت صحتها. ويشهد على ما ذكرناه: أن محمد بن يعقوب روى كثيرًا في الكافي عن غير المعصومين)) ([3])كما هو واضح لمن راجع الكتاب، خصوصًا الجزء الأول، ولولا خوف الإطالة، لذكرت تلك الموارد كافة.

ثانيًا: على فرض اعتقاد الشيخ الكليني بصحة جميع روايات كتابه، فإنه لا ينفع الجميع، وذلك للاختلاف في معنى الصحيح بين المتقدمين والمتأخرين، فإن الصحيح عند القدماء هو الخبر المحفوف بالقرائن التي تفيد الوثوق بصدوره عن المعصوم (عليه السلام)، بينما عند مشهور المتأخرين هو الخبر الذي رواه العدل الإمامي عن مثله إلى المعصوم (عليه السلام).

وهذه القرائن التي قد يستفيد منها البعض الوثوق، لو اطّلع عليها غيره قد لا يستفيد منها ذلك، لأن مثل هذه الأمور مبنية على الاجتهاد والحدس ليصل إلى ما يعتقده قرينة على صدقه، ومن الطبيعي جدًا أن قرينة أو قرائن استفاد منها شخص العلم واليقين عندما اطلع عليها لم تفده الظن فضلاً عن العلم.

ثالثًا: إن كتاب الكافي قد اشتمل على عدد ملحوظ من الروايات المرسلة والشاذة ومن في سندها من صرّح علماء الرجال والجرح والتعديل بأنه من الكذابين الوضاعين، ومن الصعوبة بمكان أن يتم التوفيق بين تلك الدعوى وبين هذا.

رابعًا:  إن قدماء الأصحاب الذين عاصروا الكليني وما بعده، وممن مدح الكافي ومؤلِّفه بما لا مزيد عليه لم يتعاملوا معه على أساس صحة جميع ما فيه، بل وجدناهم يناقشون أسانيده ورواياته كغيره من الكتب، فيقبلون ما يَرَونه صحيحًا ويردّون ما لا يتوافق مع اعتقادهم، ولم يعمل أحد منهم بروايات الكافي كيفما كان، أو يجعل وجود رواية في الكافي مقدمة على غيرها عند التعارض مع رواية أخرى في غيره.

( ب ) كون المؤلف الشيخ الكليني في عصر الغيبة الصغرى، وأول من أشار إلى ذلك - حسب علمي - هو السيد علي بن طاووس (ت664هـ) في كتابه كشف المحجة، عند ذكره لوصية الإمام أمير المؤمنين إلى ولده الإمام الحسن (عليهما السلام)، فقد قال: ((... وهذا الشيخ محمد بن يعقوب كان حيًا في زمن وكلاء المهدي عليه السلام.. عثمان بن سعيد العمري، وولده أبي جعفر محمد، وأبي القاسم الحسين روح، وعلي بن محمد السمري... فتصانيف هذا الشيخ محمد بن يعقوب ورواياته في زمن الوكلاء المذكورين في وقت تجد طريقًا إلى تحقيق منقولاته، وتصديق مصنفاته)) ([4]).

وقال الشيخ المجلسي في شرحه على الكتاب: ((... وأما جزم بعض المجازفين بكون جميع الكافي معروضًا على القائم عليه السلام لكونه في بلدة السفراء، فلا يخفى ما فيه على ذي لبّ، نعم عدم إنكار القائم وآبائه (صلوات الله عليه وعليهم)  عليه وعلى أمثاله في تأليفاتهم ورواياتهم مما يورث الظن المتاخم للعلم بكونهم عليهم السلام راضين بفعلهم، ومجوزين للعمل بأخبارهم)) ([5]).

ونقل الميرزا الأفندي عن الشيخ خليل بن الغازي القزويني أنه كان يقول: ((إن كتاب الكافي بأجمعه قد شاهده الصاحب عليه السلام واستحسنه، وأن كل ما وقع فيه بلفظ "روي" فهو مروي عن الصاحب عليه السلام بلا واسطة، وأن جميع أخباره حق واجب العمل بها، حتى أنه ليس فيه خبر للتقية ونحوها...)) ([6]).

وقد نقل بعضهم شيئًا من هذه العبارات وأيدها.

وهناك كلمات أخرى في هذا السياق مفادها: أن الأصحاب كانوا يعرضون الكتب على الأئمة (عليهم السلام) وعلى نوابهم لكي يتثبتوا من صحتها مع أنها ليست بأهمية الكافي، فهل من المتوقع أن كتابًا بهذه الأهمية يمضي مؤلفه عشرين سنة من عمره في تأليفه([7])ثم لا يعرض على الإمام، ولو بواسطة أحد النواب؟ بل وصل الأمر ببعضهم فنسب ذلك إليه صراحة، وأنه بالفعل اطلع (عليه السلام) على كتاب الكافي، فقال، أو كتب على ظهر النسخة التي عرضت عليه: ((هذا كافٍ لشيعتنا)) ([8]).

والبعض قاس طلب النائب الثالث الحسين بن روح لكتاب محمد بن علي الشلمغاني المعروف بكتاب "التكليف" لكي ينظر فيه مع أنه ليس بمستوى أهمية الكافي، فكيف لا يطلب الكافي لنفس الغرض؟!([9]).

وهذه الدعاوى لو قام عليها دليل أو برهان لكنّا في غاية السرور والسعادة، وفي راحة من كثير العناء والبحث، ولكن أنى إلى ذلك من سبيل؟!

ويمكن أن يجاب عن ذلك كله بعدة أمور:

أولاً: إثبات أن الشيخ الكليني كان مقيمًا ببغداد أثناء تأليفه الكافي، هو أوّل الكلام، ولا طريق لإثبات ذلك ببرهان، بل ظاهر عبارات الأصحاب خلاف ذلك، قال النجاشي في ترجمة الكليني: ((... شيخ أصحابنا في وقتنا بالريّ ووجههم)) ([10]).

والنجاشي هو ابن مدرسة بغداد وأعلم بما فيها، فلو كان فترة تأليفه الكافي ببغداد فلا وجه لكلامه هذا، لأن تلك الفترة من حياته والتي كتب فيها الكافي وامتدت إلى عشرين سنة كما تقدم آنفًا، هي ذروة تكالمه العلمي([11]).

نعم، هذا لا يعني أنه لم يدخل بغداد البتّة، أو لم يزرها في رحلاته العلمية وسفراته في البلدان، فمن الطبيعي أن يمرّ على بغداد ويلتقي علماءها، ويأخذ عنهم الرواية وغير ذلك، ولكن أين هذا من المدعى؟!

وكل ما هو ثابت جزمًا أنه كان في بغداد قبل وفاته بسنتين أي 327 هجرية، وفي تلك السنة سمع منه الأصحاب([12])، وتوفي ودفن ببغداد.

وإذا تم هذا - وهو تام - فيكون قد فرغ من تأليفه الكافي في الريّ، ومن المستبعد أن لا يكون قد حدّث به هناك واستنسخه الأصحاب، خصوصًا بعد ملاحظة أن عددًا من علماء الري وأهل تلك البلاد قد رووا الكافي عن مؤلِّفه، وهذا واضح من طريق الشيخ الصدوق إليه في مشيخة "من لا يحضره الفقيه"([13]). وبعد ذلك أي فائدة مرجوّة من عرض الكتاب على الإمام بعد نشره في الري وغيرها؟!

ثانيًا: لو كان قد خالط السفراء أو بعضهم كما زعموا لكان أكثَرَ الرواية عنهم، والاعتماد عليهم، خصوصًا في الأبواب المتعلقة بالإمام (عليه السلام) والتي تجاوزت رواياتها الخمسين، مع أنه لم يخرج رواية واحدة مباشرة عن أحدهم، وما ذكره عنهم قليل جدًا لا يتجاوز عدد أصابع اليد الواحدة، وجميعها بواسطة أو أكثر عن بعضهم([14]).

ثالثًا: لو كان الكتاب قد عُرض على الإمام (عليه السلام) أو أحد نوابه بواسطة المؤلف أو أحد تلامذته، لشاع هذا الأمر في عصره ومصره على أقل تقدير، ولأثبته الأصحاب كما أثبتوا غيره من الكتب التي عرضت على بعض الأئمة، ولذكر ذلك من ترجم للشيخ الكليني، مع ذكرهم لبعض الأمور التي لا ترقى إلى مستوى هذا الموضوع، وعلى الأقل لذكرها الكليني نفسه في خطبة كتابه، أو لأشار إليها وقد تقدم أن خطبة الكتاب كتبها بعد تأليفه له.

رابعًا: إن مقولة (هذا كاف لشيعتنا) رفضها محققو العلماء، حتى متشددو الأخباريين لم يقبلوا بها مع تصريحهم بقطعية جميع ما في الكافي([15])، فكيف بغيرهم؟!

خامسًا: إن قياس عرض كتاب الشلمغاني على كتاب الكليني في غير محله، وقياس مع الفارق، لأن الداعي إلى الأول هو انحرافه بعد استقامته وخروج اللعن عليه والبراءة منه من الناحية المقدسة، وكان كتابه مشهورًا في الطائفة فكانت الحكمة والمسؤولية تقضي على الحسين بن روح أن يقوم بطلب الكتاب والنظر فيه، وأين هذا من كتاب الكافي الذي كان مؤلِّفه فوق الشبهات.

سادسًا: يمكن أن يستفاد من كلام الشيخ الكليني نفسه في خطبة الكتاب أنه رحمه الله لم يكن قائلاً بصحة جميع روايات الكافي، فقد قال: (( فاعلم يا أخي -أرشدك الله - أنه لا يسع أحدًا تمييز شيء مما اختلف الرواية فيه عن العلماء عليهم السلام برأيه، إلا على ما أطلقه العالم بقوله عليه السلام: "اعرضوها على كتاب الله، فما وافق كتاب الله عز وجل فخذوه، وما خالف كتاب الله فردوه"، وقوله عليه السلام: " دعوا ما وافق القوم، فإن الرشد في خلافهم"، وقوله عليه السلام: "خذوا بالمجمع عليه، فإن المجمع عليه لا ريب فيه"، ونحن لا نعرف من جميع ذلك إلا أقله، ولا نجد شيئًا أحوط ولا أوسع من رد علم ذلك كله إلى العالم عليه السلام، وقبول ما وسّع من الأمر فيه بقوله عليه السلام: "بأيما أخذتم من باب التسليم وسعكم"))([16]).

وأخيرًا فإن المنع من دعوى صحة جميع ما في الكافي لا ينقص من قيمة الكافي شيئًا، ولا يضع من رفعته قدرًا، لأنه إن قيل عنه هذا فلا يعني أن غيره سالم من الطعن، أو بريء من الانتقاد، أو فوق الشبهات، وما هو كذلك ليس إلا كتاب ربّ الأرباب عز وجل أو من عصمه الله عن الزلل والخطأ.

ثم إن هناك أبحاثًا أخرى مهمة تتعلق بهذا الكتاب، وله ميزات فريدة تستحق البيان، وحوله شبهات حاكها بعض من لا إنصاف لديه من العامة ينبغي التصدي لردّها، وقد فندّت بعضها في بحث مستقل نشر في العدد الثاني من السنة الأولى من هذه المجلة الغرّاء.

انتهى المقال

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1]  - معجم رجال الحديث: 1/81.

[2]  - الكافي: 1/5-8.

[3]  - معجم رجال الحديث: 1/82.

[4]  - كشف المحجة لثمرة المهجة: ص220.

[5]  - مرآة العقول: 1/22.

[6]  - رياض العلماء وحياض الفضلاء: 2/261

[7]  - رجال النجاشي: ص377، رقم 1026.

[8]  - لاحظ ترتيب أسانيد الكافي للسيد البروجردي: ص110.

[9]  - لاحظ خاتمة مستدرك الوسائل: 3/473.

[10]  - رجال النجاشي: ص377، رقم 1026.

[11]  - لاحظ بحوث حول روايات الكافي: ص13-14؛ وترتيب أسانيد الكافي: ص110.

[12]  - راجع مشيخة الشيخ الطوسي عند ذكره لطريق الشيخ الكليني، التهذيب: 10/29 ؛ والاستبصار: 4/310.

[13]  - من لا يحضره الفقيه: 4/534.

[14]  - لاحظ الكافي: ج1 كتب الحجة باب: 77-78-126.

[15]  - لاحظ خاتمة مستدرك الوسائل: 3/470.

[16]  - الكافي: 1/8-9.

 

115%