رسالة النجف

الدخيل في اللغة العربية

.

الدخيل في اللغة العربية

د. حسن جعفر نور الدين1

 سبق وأُشير في حديث سابق في هذه المجلة الكريمة([1]) إلى مواطن تأثير اللغة العربية وفاعليتها ودورها الفاعل في لغات العالم، وأنه ما من لغة إلا وتأثّرت وأخذت من غيرها ألفاظًا شتّى، وتعابير ومصطلحات متنوعة، انسجامًا مع طبيعة الحياة، وروح التطوّر، وحتمية العلاقات المتنوّعة التي تنشأ بين الشعوب، إذ لا لغة بلا مجتمع، ولا مجتمع بغير لغة، ولا مجال لأيّ تطوّر بشريّ وإنسانيّ إلا بالتعاون المُثمر والمفيد عبر روابط متنوعة، تُفعِّل من عملية التحاور والتخاطب والتواصل، وأعظم وسيلة لتحقيق هذه المقوّمات هي اللغة.

وإذا كان البحث السابق قد تحدّث عن تأثير اللغة العربية في غيرها من لغات العالم، فالبحث اليوم معاكس لما سبقه، إذ أنه يتحدّث عن تأثير اللغات الأجنبية في لغتنا الحيّة، لغة القرآن والإسلام والحضارة الإسلامية، ما الذي أخذته هذه اللغة؟ وما الذي طرحته ولم تقبل به؟ وهل هناك من قيود وشروط لحمل الدّخيل على اللغة، واستقباله في حرمها، واعتماده مصطلحًا أو لفظًا نهائيًا؟

ولا يخفى على أحد ما كان للعرب من صِلات وعلاقات منذ الجاهلية وحتى اليوم مع جيرانهم وسائر الدول والشعوب التي يتبادلون معها المنافع والإمكانات والخبرات، وما كان للفتوح الإسلامية شرقًا وغربًا من أثرٍ كبيرٍ على مستوى اللغة والعلاقات والتّجارة والثقافة، ودائمًا يكون للعلاقات بين الدول أثر ذو حدين، مؤثّر ومتأثّر، ومن هنا فإن كل لغة تأخذ وتقدّم، تهضم ما يتلاءم مع قياساتها اللغوية، وتُدخل ما تراه مناسبًا لتلحق بركب الحضارة والتطوّر الذي ينمو يومًا بعد يوم، ويفرض مصطلحات ومسمّيات علمية لا مناص من أخذ الموقف منها، هذا في مواجهتنا لما يستجدّ كل يوم في العالم أجمع من اختراعات وإنجازات على صعيد الفلك والطب وعلم النجوم والهندسة والرياضيات والفيزياء والآداب... وما تُولّده هذه من صيغ ومصطلحات جديدة، كذلك فيما نقدّمه نحن بلغتنا على الصّعد نفسها، علمًا أننا ما زلنا مقصّرين في هذه الميادين، وعلماؤنا وعباقرة الإنسانية من أبنائنا لم يجدوا إلا الغرب مكانًا يُنجزون فيه خُططهم ويُشبعون فيه نهمهم إلى العلم والاختراع، رغم المخاطر التي يتعرّضون لها، والتي أودت بنخبة من المخترعين منهم، وهذا الأمر ليس موضوع البحث الآن.

بناءً عليه، ما الذي أخذه العرب وأضافوه إلى لغتهم من اللغات العالمية؟ وما الذي عرَّبوه، وما الذي تركوه كما هو دون تعديلٍ؟

هذه الأسئلة والاستفسارات جميعها تدفع إلى تحديد معنى كلّ من المعرَّب والأصيل والدخيل.

أما المعرَّب: والاسم الآلي العملي له هو التّعريب، فيترك لدراسة منفصلة خاصّة، لأهميته وتشعّبه ودوره الأساس في ضخّ اللغة بأنماط من الاشتقاقات المتنوّعة.

يبقى الأصيل والدخيل، وهما متعارضان مائة بالمائة، ولا يمتُّ كل منهما بصلة للآخر أبدًا.

فالأصيل: من الأصل أو الأساس، هو الكلمة العربية النقيّة، التي لا لبس فيها ولا شك بعربيتها الصّافية، هي كلمة معروفة ومتناقلة ومستعملة في نتاجنا العربي ومتفق على أنها مستعملة وشائعة منذ الجاهلية وحتى اليوم.

أما الدخيل: فهو الهجين والغريب، والذي لا يمتّ بصلة في أي من جوانبه إلى اللغة العربية، لأنه دخل كما هو في زيّه وسحنته وشكله وإطاره الأجنبي، كما أنه اعتمد كما هو دون تغيير وتبديل وإضافة وحذف من قبل مجامع اللغة العربية، وموافقة اللغويين العرب([2]).

إذن هذا الدخيل بقي كما هو لعدم القدرة على تعريبه، وإدخاله إلى صميم اللغة العربية، وإخضاعه لنواميسها وقواعدها الاشتقاقية، فهو اللفظ الأجنبي الذي دخل ويدخل اللغة العربية دون تغيير مثل: الأوكسجين- التلفون- راديو- تلغراف.. إلخ.

والدخيل في اللغة هو الذي يداخلك في أمورك، وفلان دخيل في بني فلان، إذا كان من غيرهم فتدَّخل فيهم، والدّخيل: المُداخل المُباطن، وداء دخيل: داخل.

أما مصطلح "الدخيل" اللغوي عند ابن منظور في لسان العرب، فلا يعدو أن يكون إشارة مُجتزأة إلى جوهر المصطلح بمفهومه الأعم الأشمل، وهي بذلك تدلّ على فهمٍ متطوّر جليّ لظاهرة الدّخيل في اللغة العربية، يقول: وكلمة "دخيل" أُدخلت في كلام العرب وليست منه، استعملها ابن دريد كثيرًا في الجمهرة([3]).

والحقيقة أن هذا الاستعمال هو "تعريب"، تبعًا لقول الجوهري في الصّحاح: تعريب الاسم الأعجمي أن تتفوّه به العرب على مناهجها، تقول: عرّبته العرب وأعربته أيضًا.

ولم يستوِ الدخيل مصطلحًا خالصًا متّفقًا عليه عند العرب بالدّقة والتحديد وإن حظي باهتمام السّلف في رحلة التصنيف في غريب القرآن، ومعرفة تنقية اللغة بعد ذاك إلى أن جاء الجواليقي، فأضفى عليه مزيدًا من الإيضاح عندما نظر إليه بالقياس إلى العربي الأصيل أو الصريح، حيث قال في مقدمة كتابه "المعرّب من الكلام الأعجمي": ((هذا كتاب نذكر فيه ما تكلّمت به العرب من الكلام الأعجمي، ونطق به القرآن المجيد، وورد في أخبار الرسول (صلى الله عليه وآله) والصّحابة والتّابعين، وذكرته العرب في أشعارها وأخبارها، ليُعرف الدّخيل من الصريح، ففي معرفة ذلك فائدة جليلة، وهي أن يحترس المشتق، فلا يجعل من لغة العرب لشيء من لغة العجم))([4]).

فالدّخيل والكلام الأعجمي هنا وُضِعَا في مقابل العربي الصحيح، وتلك صورة تزيد مفهوم الدّخيل وضوحًا وتعزّز استقراره مصطلحًا.

وهكذا تعمّم هذا المصطلح "الدخيل" بعد ذلك في تعابير حديثة من مثل "المصطلحات الدخيلة، والعلوم الدخيلة" وما شابه ذلك مما استُعير وأُخذ واعتُمد من اللغات الأخرى.

وإليك بعض النماذج من الكلام الدخيل على اللغة العربية:

بعض ما أخذه العرب من الفرس:

وهو كثير جدًّا، وسنشير إلى الكلمات والمصطلحات ممّا عُرف من دخيل توزّعته المصادر اللغوية من شعر ونثر ومعجمات وأقوال.

وفي العصور الماضية -خاصّة في العصر الجاهلي- لم يكن العرب يتحفّظون أو يحتاطون من أخذ ألفاظ أجنبية، ورغم ذلك كان ما أخذوه قليلاً، علمًا أن صِلاتهم بالفرس كانت وثيقة عن طريق المناذرة في الحيرة ودومة الجندل وجنوبي العراق، مما يُسهم في فتح بابٍ للتبادل اللغوي عبر الأخذ والعطاء، والمحادثة والمحاورة، وغير ذلك مما يمكن أن يخلّف آثارًا لغوية لا يمكن تجنّبها والوقوف في وجهها.

ونقف قليلاً عند مثال واحدٍ أسهم في تغذية اللغة العربية ببعض الدخيل الفارسي، هو الأعشى صناجة العرب، أو ميمون بن قيس، وكان لاحتكاكه برهبان الأديرة، وبالجواري التركّيات، ووقوفه على مسمَّيات غريبةٍ يعجُّ بها مجلس خمر في بيئة فارسية مُترفة، ومشاهدته لألوان من الرّياحين وأنواع من آلات الطّرب التي لم يعرفها العرب، كل ذلك جعله يقتبس ويضمّن شعره كثيرًا من الألفاظ الفارسية، حتى ولو جاء ذلك من باب الهزل والاستطراف.

وسأشير إلى بعض ما أدخله الأعشى في شعره من الفارسية:

أس - إبريق - بربط (آلة طرب) - بستان - بنفسج - خندق - راووق - زبرجد - زمهرير - زنبق - زير - سنبك - سوسن - صناجة - طنبور - شيدارة (بساط منقَّش وثمين، أو بُرد يشق ثم تلقيه المرأة على عنقها من غير كُمَّين ولا جيب)، وقال الأعشى:

إذا لبست شيدارة ثم أرمَتْ
 

 

بمعصمها والشمس لما ترجل
 

مكوك (آلة تخص النسَّاج والخُيّاط)- مكيال - نمارق - ياسمين.

والملاحظ أن هذه المسمَّيات تتعلّق بآلة العيش، ومجالس الطّرب، إلى جانب ألفاظ تتعلّق بالعمران، أو باللباس، وغير ذلك مما لم تعرفه العرب على تلك الصورة.

ومما يشبه هذه الألفاظ أو المسمّيات أخذ العرب ألفاظًا فارسية تتّصل بالثياب والألوان من مثل: إستبرق - جورب - دخدار (ثوب)- ديباج - زركشة - سروال - جوخ - طيلسان - تبان - خزّ - زرياب (ماء الذهب).

كما أدخل العرب ألفاظًا فارسية تتعلّق بالمعادن والأحجار الكريمة، مثل: فولاذ - زئبق - دانق - إبريز - جوهر - خنجر - جنزار - تنك - فيروز - لازورد - توتياء([5]).

ومن النباتات والرّياحين والأشجار المثمرة وغير المثمرة أخذ العرب ألفاظًا لم تكن معروفة في لغتهم مثل: سنديان - صنوبر - تفّاح - ترمس - مردقوش (الزعفران)- أزدرخت أو زنزلخت - نسرين - ياسمين - باذنجان - جرجير - جزر - خيار - سرو - لوز - زعرور - زنبق - هليون - أفيون.

وأخذوا من أسماء الحيوانات: سنجاب - سنّور - جاموس - دلق (حيوان شبيه بالسنجاب) - ومن الطيور: كروان - ببغاء - باز - شاهين - قُبَّح (الحجل).

ومن الأشربة والأطعمة: جردق (الغليظ من الخبز) - جلّاب - شوربا - زلابية - رشته - بوظة - بقلاوة - سنبوسك - برغل - فالوذج - كعك.

وسأذكر على سبيل المثال لا الحصر ما يمكن وضعه في خانة الألفاظ العامة الإدارية والتنظيمية:

ديوان - باره - نموذج - خندق - بريد - برنامج - دستور - سرداب - دهليز - عسكر - سندان - صولجان - فرند - سباهي (رتبة عسكرية، تحوّل معناها إلى مالك القرية) - قيروان - بهلوان - تاج - مهرجان - مومياء([6]).

بعض ما اقتبس من الآرامية:

كانت اللغة الآرامية حوالى سنة 500 قبل ميلاد المسيح اللغة العامة الرسمية في كل بلاد الشرق الأدنى القديم، بعد أن حلَّت مكان العبرية والكنعانية، في حين جعل الفرس آنذاك الآرامية لغتهم الرسمية.

وقد اقتبس العرب من السّريان، وهم في مقدّمة الشعوب الآرامية في الجاهلية والقرون الأولى للإسلام، فأخذوا منهم حتى العصر السادس بعد هجرة الرسول (صلى الله عليه وآله) مئات الكلمات التي تختصّ بالزراعة والصناعة والتّجارة والملاحة والعلوم، كذلك استعاروا منهم ألفاظًا كثيرة متعلّقة بالنصرانية بعضها سرياني والآخر من أصل يوناني.

وقد انتشرت اللغة الآرامية الغربية، المشتقّ اسمها من آرام، اسم سورية في العبرانية، انتشرت بلهجات مختلفة في الأناضول، سورية، لبنان، فلسطين، مصر، وشبه جزيرة العرب.

وقد بلغت السريانية - وهي أشهر لغات الآرامية الغربية - أوجَّها وازدهارها من القرن الثالث إلى الثامن، عندما كانت لهجة (الرها) السريانية اللغة الأدبية الوحيدة لكل نصارى الشرق الأدنى، ثم تقلَّص نفوذها كثيرًا بعد الفتح العربي، فصارت لغة كنسيّة لا غير، تُتلى بها صلوات القداس في طائفتي الموارنة والسريان، وفي فترات الفتح العربي كان أدباء سورية منكبّين على ترجمة أشهر مؤلفات اليونانيين إلى السريانية، وقد حفلت أديرة رهبانهم بتلك الترجمات النفيسة، فتردّد إليها أدباء عرب كثيرون، ونقلوا إلى لغتهم قسمًا كبيرًا من كنوزها([7]).

يتبع =

ــــــــــــــــــــــ

1. أستاذ محاضر في الجامعة اللبنانية في صيدا.

[1] - مجلة [رسالة النجف]، السنة الأولى، العدد الثالث: ص 118.

[2] - ابن منظور، لسان العرب: ج81 ص 241 ؛ حسن نور الدين ؛ الموسوعات والمعاجم بين الماضي والحاضر ص 20 إلى 24.

[3] - لسان العرب: ج11 ص16-17.

[4] - الجواليقي، المعرّب من الكلام الأعجمي على حروف المعجم: ص15، الجواليقي هو أبو منصور، موهوب بن أحمد بن محمد بن الخضر المتوفى سنة 540 هجرية. التراث العربي، عدد 71-72، د. مسعود البابا: ص65-66.

[5] - الأب رفائيل اليسوعي، غرائب اللغة العربية: ص  ؛ مجلة التراث العربي عدد 71و72- د. مسعود البابا: ص 69-71.

[6] - مجلة التراث العربي: عدد 71 و72 ؛ د. مسعود البابا: ص 70-71.

[7] - غرائب اللغة العربية: ص 170-171.

 

.

تتمة مقال - الدخيل في اللغة العربية

 

كلمات مقتبسة من الآرامية ومعناها في العربية([1]):

آب: الشهر

أبَّ: ثمرة

أبَّار: رصاص أسود

ابلَّ: تنسك

أسّ: أساس

أسا الجرح: داواه

إصلين: سيف صقيل ماض

أطلس: نسيج حرير رفيع.

إفك: كذب

إقنوم: شخص

أكَّار: حرّاث

أنبا: أب روحي - مرشد باكورة: أول الثمر

بابوس: طفل - صبي صغير برَّاني: خارجي

برية: صحراء

بريمة: مثقب

بقعة: قطعة أرض

بيب: قناة

بيعة: كنيسة

تكة: رباط السروال

تنور: مكان النار

حرِّيف: لاذع الطعم

حول: قوة

خروب: خرنوب

ثبور: هلاك

مثقال: وزن معروف

جبورة: كبرياء

جريب: نوع مكيال

جرجس: البعوض الصغير

جرام: نواة أو تمر يابس

جسر: معبر على نهر

مجلب: صوت

جلواز: شرطي

حاني: خمار

حرورية: حريّة

خبص: خلط

خبل: حزن

ما أخذه العرب من اللاتينية:

لم يكن العرب في عصورهم الأولى يفرّقون بين اليونانية واللاتينية لغويًا، إنما ما كان ينسب إلى هاتين اللغتين يوضع تحت اسم الروميّة نسبة إلى بلاد الروم، وقد بدأ الاتصال والاحتكاك بين اللغتين قديمًا، خاصة في بلاد الشام، واستمر عن طريق التجارة والنشاط الديني المسيحي، ثم أيام الحروب الصليبية، وبلغ ذروته في الصلات والعلاقات السياسية والثقافية عن طريق الأندلس وصقلية وغيرهما من المرافئ والثغور، وقد وصل بعض الدخيل اللاتيني متأخرًا عن طريق اللغات الأوروبية وَرَثَة اللاتينية، ثم إن أكثره اندمج في اللغة العربية بواسطة اليونانية أو الإيطالية.

بعض الدخيل اللاتيني مع معانيه([2]):

الاصطبل: مربط الدواب

إفريز: صنف بناء. رساطون: شراب من خمر وعسل.

سجل: الختم.

بلاط: بمعنى القصر.

بترول: نفط.

إيلياء: بيت المقدس.

قرصان: لصوص البحر.

فيتامين: حياة.

تجارة: بضاعة.

منديل: نسيج يمسح به العرق وغيره، منشفة.

برذون: فرس غير أصيل.

دوق: لقب شرف دون الأمير

كربون: عنصر الفحم في الكيمياء.

كردوسة: طائفة كبيرة من الخيل.

مكرك: تجارة، بضاعة.

ميل: مقياس لطول مسافة.

سجنجل: مرآة ذات زوايا ست

برجد: ثوب غليظ مخطط

ريف: أرض قريبة من المياه الجارية

كوفية: منديل يلف به الرأس.

كوب: إبريق صغير بلا عروة.

دينار: قطعة نقد فضية عند الرومان

بركان: ابن جوبيتر سيد آلهة الرومان القدماء

رصيد: الباقي بعد تصفية الحساب

قميص

قنديل

قنطار

قنصل

 

إسكلة: ميناء من موانئ البحر المتوسط في البلاد التي كانت خاضعة لسلاطين تركية.

القفان: الأمين، وهو معرب أصله قبَّان، وهو الرئيس الذي يتبع لأمر الرجل ويحاسبه، ولذلك سمَّي الميزان قبَّانًا، والقبَّان عند اللاتين: ميزان لأشياء ثقيلة.

بارجة: سفينة حربية، دخلت هذه الكلمة لغتنا بواسطة التركية.

دومينو: لعبة معروفة، لباس أسود كان يوضع على الرأس عند تناول القربان المقدس.

بعض ما أخذه العرب عن الهنود:

إن معظم ما استوعبه العرب عن طريق الهنود من النّبات والسيوف والعقاقير والطيوب والمنسوجات القطنية والأحجار الكريمة، أخذوا مسمّياته منهم مباشرة بطريق تبادل السلع والمنتوجات والمعاملات التجارية، أو عن طريق الفُرس الذين كانوا بمثابة وسطاء بين العرب والهنود.

من الكلمات الهندية الدخيلة على اللغة العربية:

الأترج - أرز - بهار - توتياء - بنج - خيزران - زنجبيل - ساسم (نوع من شجر الجبال)- سكّر - سمهري - شطرنج - شنكل - شيت (نوع من النسيج)- صندل - طاووس - طباشير - طن - عاج - فانيد (نوع من الحلواء وقيل إنه بالفارسية)- فلفل - فنجان - فوطة - فيل - قرفة - قرنفل - قماري (عود يتبخّر به)- قنا (للرماح)- قند (قصب السكر)- كافور - كركدن - ليمون - مسك - النردين (السنبل الهندي)- نارنج - النمط - النارجيلة - هيل أو هال - ورس - شيح (نوع من الشجر)([3]).

ما أخذه العرب من اليونان، أو أكثر الكلمات المقتبسة عن اليونانية:

لم يفتح العرب بلاد اليونان، بَيد أن كثيرًا منهم خالطوا مع مرور الزمن كثيرًا من علمائها وفلاسفتها وقرأوا مؤلّفاتهم في لغتها الأصلية أو مترجمة عن السريانية، وقد برز منهم الفارابي المتوفى سنة 951م، والذي طالع جميع كتب أرسطاطاليس ونشرها مع كتب أفلاطون لمعاصريه وشرحها لهم، ثم ابن سينا (980م-1037م) واضع كتاب الشّفاء في ثمانية عشر مجلدًا.

وفي الحقيقة إن صلة العرب باليونان أو بالروم البيزنطيين تعود إلى ما قبل الميلاد بنصف قرن تقريبًا، وذلك عندما احتلّ الروم مصر وسورية وفلسطين وقسمًا من العراق، هذا الاحتلال الذي استمر حتى الفتح العربي الإسلامي.

وكان لهذه الصلات آثار مباشرة على اللغات، فقد انتشرت اليونانية إبّان هذا التاريخ في حواضر هامّة كالإسكندرية وإنطاكية واللاذقية وصور ودمشق والقدس وآفاميا (قرب حلب).

وكان انتشارها واضحًا على المستويين الديني والفلسفي، ثم ما لبث أن قوي وجود اليونانية في بلاد الشام، خاصّة بعد دخول أمراء الغساسنة من كل جهة في المسيحية، وبناء على ما تقدم فإنه من الطبيعي الاعتقاد أن ألفاظًا يونانية كثيرة قد دخلت العربية، لكنّ التدقيق في المصادر والمراجع أكدَّ أن الأمر لم يكن كذلك، فالدخيل من اليونانية لا يكاد يُذكر أمام ما أُخذ عن اللغة الفارسية([4]). 

يتبع =

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] - نفس المصدر: ص 172- 180.

[2] - د. مسعود البابا، ما أخذه العرب من اللغات الأخرى: ص73و74 ؛ غرائب اللغة العربية، رفائيل اليسوعي: ص277إلى 280.

[3] - مجلة التراث العربي، عدد 71 و72 ؛ د. مسعود البابا: ص 72.

[4] - المصدر نفسه، عدد 71 و72  ؛  د. مسعود البابا: ص 72 و73.

.

تتمة مقال - الدخيل في اللغة العربية

اليونانية في اللغة العربية:

أما قنوات تسرّب الدخيل اليوناني إلى العربية فهي اثنتان: إما اليونانية مباشرة، أو عن طريق السريان الذين كانوا أكثر صلة روحية وسياسية باليونان، وكانت علاقتهم بالعرب أقدم وأتمّ  وهي ترجع إلى ما قبل الفتح العربي، وقد يكون هذا الدخيل اليوناني موروثًا لغويًا تناقله الناس بعد هجرهم الحديث باليونانية في مصر وبلاد الشام إثر شيوع العربية([1]).

ومعظم الدخيل المأخوذ عن اليونانية يدور حول الأمور الماديّة والإدارية والدينية، وبعضه يشير إلى الحياة والعلوم العقلية والطبيعية والبحرية، ومن هذه المسميات:

إبليس - أبنوس - إنجيل - أخطبوط- أبو قلمون (طائر)- أثير - إزميل - أسطول - أسطقس (العنصر)- أسطورة (ومنها في الإنكليزيةhistory- وفي الفرنسيةhistoire بمعنى التاريخ) - اسطنبول (ومعناها في الأصل إلى المدينة)- إفريز - إقليم - إسفنج - إكسير - برنس - بقدونس - برقوق - بوق - بطاقة - بيطار - ترياق - كوبري - درهم - دكّان - دمقس - ديماس - رفاس - زبرجد - زنار - سندس - طلسم - فانوس - فنار - فندق - قارب - قانون - قرطاس - قنبيط - قصدير - قفّة - قلم - قمقم - قنّب - قنينة - كتّان - كوب - كورة - كيمياء - لغم - مرهم - ملوخية - ناموس - نقرس - يانسون - إبرشيّة - أرثذوكس - أرخبيل - ارستقراطية - أسطرلاب - أسقف - أطلس - ألماس - أوقيانوس - جغرافية - خريطة - دلفين - زخرف - فردوس - فسيفساء - فلسفة - فلّين - مُصطكى (علك)- موسيقى - ناووس - هرطقة - ياقوت - بطرك - بطريق - دينار - زيزفون - قولنج.

وإليكم جدولاً ببعض الكلمات اليونانية الدخيلة إلى العربية في جدول منفرد مع المعاني التي ترمز إليها([2]):

إبريز: ذهب خالص

إبليس: نمام كاذب

أخطبوط: ذو ثمانية أرجل

أرثذوكسي: صحيح الإيمان

أردب: نوع مكيال

أسطرلاب: آلة فلكية

أسطورة: حكاية

أفشين: صلاة

أقّة: حجم- كتلة

إقليد: مفتاح

باسيليق: عرق عند المرفق

باميا: نوع بقلة.

أثير: مادة منتشرة في الفضاء.

بال: حوت بحري كبير جدا.

أطلس: مجموعة خرائط جغرافية.

ترياق: دواء مضاد للسم.

بيرفير: أرجوان- Porfira.

بطاقة: لوح رقيق للكتابة  -Pitakion.

بيرون: تاج أسقف- Virriyon

ترغّلة: حمامة كبيرة- Trighon.

تيفوس: مرض معد-Tifos.

خِرص: حلقة الذهب- Khricos.

خلقين: مرجل كبير- Khalkiyon

دُرَاقِن:.نوع خوخ- Dhorakinon.

دفل: غار- Dhafni.

تراخونا: نوع مرض في العينين- Trakhona

برنس: ثوب عريض الكمين يلبس فوق سائر الثياب-.Virros.

كلمات مقتبسة من التركية:

منذ أن انتصر السلطان سليم الأول على المماليك سنة 1516، واستولى على سورية ولبنان وفلسطين ومصر وبلاد ما بين النهرين، منذ ذلك التاريخ وحتى زوال الدولة العثمانية سنة 1918م بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى واندحار الفلول التركية أمام قوات الحلفاء، بقيت معظم الدول العربية خاضعة لسلطانهم وسيادتهم المطلقة، وكان أن تسنى للغتهم أن تنفذ بقدر يسير من ألفاظها ومسمّياتها إلى اللغة العربية الفصحى، خاصّة في الإدارات الحكومية، ودخلت مئات الكلمات التركية إلى اللغات العامية العربية.

من هذه الكلمات مع معانيها([3]):

بك: سيّد أمير، bey - خاتون: امرأة شريفة الأصل - خان: أمير، سيّد - بكرة: آلة مستديرة لرفع الأثقال - قاووق: نوع قلنسوة طويلة - قلاش: محتال - بوغاز: مضيق في البحر بين ساحلين - وجاق - موضع إيقاد النار للتدفئة - بيرق: راية - ترسانة: مستودع أسلحة - خاقان: ملك - الأتابك: الوالد أو الأمير وهي مؤلفة من (أتا) أي أب الأب أو الشيخ المحترم ومن (بك) الأمير.

أرسلان: الأسد - الإنكشارية: الجيش الجديد - الأورطة: الطابور أو فئة من الجند - أيبك: أمير الجند وهي مؤلفة من (أي) القمر و(بك) الأمير - الآغا: الأخ الكبير أو السيد - البنديرة: في التركية والأسبانية والطليانية: معناها الراية الأجنبية.

البكباشي: تركية من بك وباشا، رئيس الألف، وهي رتبة عسكرية عثمانية استعملت في الجيوش العربية.

الجلبي أو شلبي: ذو نبل وفضل، أو بمعنى سيّد وخواجة - صاية: زي من الجوخ - الخيش: نوع من الكتّان - الشوشرة: التحيّر والاضطراب - السنجق: العلم أو الراية - يازجي: كاتب - دوزن العود: شد أوتاره المرتخية، آلف الأصوات - طغراء: كتابة مشتبكة الحروف - وطاق: خيمة كبيرة مزينة لأكابر القوم - القايق: القارب الصغير - بِكلة: مشبك - جامكية: جمع جوامك، مرتّب خدم الدولة في العساكر والموظفين - قشلة: معسكر - القرمة: نوع من الخط ومنه القارمة، اللافتة - النيشان: العلامة التي تنصب للتدريب على الرماية وتطلق على الشارة والشعار الذي يوضع على صدور المحاربين والمتفوّقين.

من الكلمات العبرية الدخيلة على اللغة العربية([4]):

لم يكن للغّة العبرية تأثير كبير على اللغة العربية، لذلك ظلّ قاموسها بمنأى عن تفاصيل هذه اللغة وأحكامها، ولم يندمج سوى القليل من الألفاظ التي تشير إلى أمور اليهود وقضاياهم الدينية.

من الألفاظ  العبرية الدخيلة:

آمين: في الحقيقة، فليكن هذا amen - إجّاص: eggas - تابوت: صندوق خشبي، صندوق teba - حاخام: كاهن يهودي، رجل عاقل فيلسوف، Haham - حجّ: زيارة مكان مقدس، عيد hag.

شاش: نسيج من قطن، chech - عنصره: عيد، محفل، asara.

قدّوم: فأس النجار ذات حديدة ملتوية، qardom - تلمود: مجموعة قديمة لشرائع اليهود مع آرائهم وتقاليدهم وعاداتهم، (تعليم) Talmoud.

توراة: شريعة، تعليم - جَدَث: قبر: gadich - جلخ: جلخ السكين، حدّده، galah - هللويا: صيحة فرح في الصلوات المسيحية، سبّحوا لله، halloulouyah - يوبيل: صيحة فرح، رنة بوق، yobel.

كلمات مقتبسة من لغات مختلفة أخرى:

من الأسبانية: بطاطة - تَبغ - تنباك - ريال - البنديرة.

من الإنكليزية: روم: وهو نوع مشروب كحولي - شك - فلم.

من الألمانية: إفرنج (أهل أوروبة ما عدا تركيا)- توتيا (معدن الزنك) زنك (معدن معروف) - غرش.

من الحبشية: بغل - جلباب (قميص أو ثوب واسع)- حواريّون (رسل السيد المسيح)- خيمة - دملوج (سوار)- طحن (طحين) - محراب (صدر البيت).

من الفرنسية: برلمان - بروتستانتي - بكالورية - تلفزة - جنرال - دكتور - راديو - طنّ - مارشال - ماسوني - مليار - مليون - كيلو.

من الإيطالية: بارون (لقب شرف)- برميل - بندقي (ثوب كتان رقيق)، مدينة في البندقية - بنك - بورصة - شوكولاتة - صابورة (ما يوضع من الثقل في قعر السفينة لئلا يميل أحد جانبيه)- غليون (نوع سفينة شراعية كبيرة)- فرنك (قطعة نقد فرنسي)- كمبيالة - مالاريا (مرض معروف)- طلمبة (مضخة ماء)- سقالة وهي نفسها أسكلة في التركية (رصيف الميناء البحري)([5]).

خاتمة:

بعد هذا العرض السريع والمتواضع والموجز لبعض ما استوعبته لغتنا العربية العالمية في تاريخها الطويل ومسيرتها الحافلة، نسجّل ما يلي:

1- إن ما أُخذ ويُؤخذ من مصطلحات وألفاظ أجنبية لا يشكّل أدنى خطر على مستوى ومستقبل اللغة العربية، وقد أقدم اللغويون على جواز الدخيل للضرورة، بُغية اللحاق بركب الحضارة والتطوّر اللذين يغزوان العالم بأسره اليوم، ومن غير الجائز أن نبقى بمعزل عن هذا الجديد، فالعولمة الثقافية التي تحترم حرّية الشعوب تنشد نقل المستجدات والاختراعات في شتى الميادين إلى كل مكانٍ في العالم، بواسطة اللغات ومصطلحاتها ومسمّياتها، فالثروة اللفظية العربية، وتماسك قواعدها، أغنياها عن أن تأخذ من اللغات الأخرى الصّفات والتراكيب، واقتصرت على أخذ المسميات الماديّة، لقد استطاعت لغتنا أن تهضم وتتمثّل ما أخذته بغير عسر أو مضاعفات تهزّ بنيانها المتين.

2- لقد دلَّ هذا الاستيعاب من اللغات الأخرى على عظمة التجربة الإنسانية عند العرب، وعلى عمق صِلاتهم وعلاقاتهم بالأمم المجاورة في ميادين الحياة كافة، خاصّة في أمور العلم والتجارة والحروب وعلاقات الجوار بغير تعصّب أو انكفاء على الذات، أو تخوّف من المؤثرات الخارجية، كما دلَّل على قدرة اللغة العربية ونجاحها الباهر في استيعاب مظاهر الحضارات الأخرى، وما لها من مسمّيات ومصطلحات دون حرج أو خوف.

3- إن الدخيل الذي استوعبته العربية أمدّها بثروة لغوية رحبة، وقاموس من الألفاظ غنيّ وهام، وجعلها تستلهم المعاجم وكتب التراث العربي، مما أغنى تجاربها الفكرية والحضارية.

4- إذا كان للمتأمّل أن يتساءل عن هذا الدخيل الذي اقتبسته العربية عن أمر كثرته وتنوعه، فليتساءل قبل ذلك عن أثر اللغة العربية في اللغات الأخرى، وعن مدى انتشار العربية والكتابة بها في كلّ مكان على الكوكب الأرضي، وقد بُيِّن ذلك في الموضوع السابق الذي تحدّث عمّا أخذته الشعوب الأجنبية من اللغة العربية.

انتهى

ـــــــــــــــــــــــــــــ
 

[1] - مجلة التراث العربي، عدد 71 و72 (تموز 1998م)، مقال بعنوان: ما أخذه العرب من اللغات الأخرى، د. مسعود البابا: ص72 و73.

[2] - الأب روفائيل اليسوعي، غرائب اللغة العربية: ص 251إلى 258.

[3] - غرائب اللغة العربية: ص 272 إلى 274 ؛ مجلة التراث العربي: ما أخذه العرب من اللغات الأخرى د. مسعود البابا: ص74 - 77.

[4] - غرائب اللغة العربية: ص211 إلى 213.

[5] - نفس المصدر: ص 284-285.

 

115%