رسالة النجف

الزيارة الجامعة

 

الزيارة الجامعة الكبيرة .. فوق الشبهات

من محاضرة لآية الله الشيخ محمد سند بقلم السيد علي جلال الشرخات1

تعتبر الزيارة الجامعة الكبيرة إحدى أهم الزيارات التي رويت لنا عن أئمة أهل البيت (عليهم السلام)، وتمثّل هذه الزيارة العظيمة خلاصة عقائد مذهب أهل البيت (عليهم السلام)، وتُبرز المقامات الحقّة للأئمة المظلومين، وتبين منزلتهم العظيمة عند الله.

فقد اشتملت الزيارة الجامعة على عبارات عظيمة شريفة، هي فوق كلام سائر المخلوقين، ودون كلام الخالق، لا يستوعبها عقلٌ بتمام كنهها.

هذا.. وقد أمرنا أهل البيت (عليهم السلام) بعدم رد أي حديث أو رواية أو إنكارها حين لا نستطيع فهمها، وأن علينا أن نردّها لأهل الذكر وأولي الأمر وعيبة علم الله..

ولكن رغم ذلك، نرى بعض الذين يُتحفظ على آرائهم الاعتقادية، من الذين لم يستطيعوا استيعاب عُمق مضامين هذه الزيارة العظيمة، يحاولون ردّها وإنكارها بشتى الطرق، فمرة قالوا: إن سندها ضعيف ! وأخرى: إنها من أخبار الآحاد ! وثالثة: إن مضامينها تخالف القرآن الكريم!

وقد جاءت هذه المقالة -التي هي جزء من كتاب مُعدّ للنشر- ردًا على بعض هذه المقولات التي أثيرت حول خصوص سند هذه الزيارة، من جهة أن في سلسلة سندها موسى بن عمران النخعي، الذي لم يوثّقه علماء الرجال.

وقبل التعرّض لرأينا في الراوي المذكور ينبغي تقديم أمرين:

الأمر الأول: إن علوّ مضامين الزيارة وجزالة ألفاظها يدلاّن على أنها في مصافّ أعالي متون الزيارات الصادرة منهم (عليهم السلام)، وهي بذلك لا تحتاج إلى سند لتصحيحها، بل قوّة متنها دالة على انتسابها إلى أهل بيت العصمة (عليهم السلام)، وقد ذكر ذلك الكثير من العلماء كما سيأتي التعرّض لشهاداتهم في مظانّها فانتظر.

الأمر الثاني: حول التقليد والاجتهاد في علم الرجال.

نحن وإن كنا نحترم جهود علماء الرجال السابقين، ونقدّر تضحياتهم المبذولة في سبيل تنقيح أسانيد هذا التراث الروائي الضخم الذي وصلنا عن آل محمد (عليهم السلام)، إلا أننا نعتبر أن توثيق أو تضعيف الرواة استنادًا إلى روّاد علم الرجال تقليدٌ وليس اجتهادًا، وإذا أراد الإنسان أن يبني عقيدته وتراثه على التحقيق والاجتهاد فلا مناص له من البحث والسبر عن منشأ التوثيق والتضعيف، ليصل إلى العمل بالرواية أو تركها عن اجتهاد في أحوال الرواة لا عن تقليد للسابقين، وهذا أمر بالغ الخطورة، لأننا حين نأخذ بتوثيق المتقدمين وتضعيفاتهم أخذ المسلمات، فإننا في الحقيقة نصادر التراث ونجعل عليه أوصياء لم يجعلهم الدين، لأن الجرح والتعديل يقوّض أو يبسط في التراث الروائي المنسوب للنبي والأئمة (صلوات الله عليهم أجمعين)، فنحن من ناحية لا نستخفّ بأقوال الرجاليين بحيث نغضّ الطرف عن آرائهم في الرواة دون أن نعطي أية قيمة علمية لجرحهم وتعديلهم، ولكننا من ناحية أخرى لا نقلّدهم في جرحهم وتعديلهم، بل نعتبر كلامهم في أحوال الرواة مجرد معطيات ومؤشرات، نظير البحث التاريخي - وعلم الرجال اشتق من علم التاريخ - فالباحث التاريخي لا يقف عند أقوال المعاصرين حول شخصية تاريخية أو حدث معين، فضلاً عن غير المعاصرين، بل يبحث وينقّب في زوايا التاريخ ومواقفه ليستخلص رأيًا علميًا مدعومًا بالأدلة حول حوادثه ورجاله.

فيجب أن لا نتعامل مع أقوال الرجاليين وكأنها وحي منزل، خصوصًا فيما يتعلق بالجرح والطعن، لأن جملة من التضعيفات - سيما عند العامة -، ناشئة من مبنى اعتقادي معين - كما هو واضح للخبير المتمرّس في علم الرجال - كأن لا يتفق الراوي معه في العقيدة المعيّنة، فيسارع إلى تكذيبه وإلى الطعن فيه وجرحه والنيل منه والوقيعة فيه بكل ما أمكن، وقد صرّح بذلك الكثيرون من علماء الدراية والرجال.

ومن نماذج التحقيق في علم الرجال عند علمائنا، نذكر الوحيد البهبهاني الذي يعتبر المجدّد في الحوزات العلمية في القرن الثاني عشر، فإنه لم يأخذ بنصوص علماء الرجال من أتباع أهل البيت (عليهم السلام)، سواء من جانب الجرح أو من جانب التعديل، بل درس كلا الأمرين بإمعان وتدبّر، ملاحظًا منشأ كل منهما، وفي المقابل نجد من الرجاليين من يكون مجتهدًا في تمييز المفردات الرجالية عن المشتركات، وتمييز طبقة الراوي، وتمييز مشايخه وتلامذته، وتمييز الكتب، لكنه ما إن يصل إلى حال الراوي جرحًا أو تعديلاً حتى نراه مقلدًا في ذلك، وهذه الظاهرة نلاحظها عند العامة بصورة آكد وأشد.

والخلاصة: أن التقليد في علم الرجال يعني جعل الوصاية على التراث الديني لثلّة قليلة، وهو أمر خطير لأنه يفضي إلى سدّ باب الاجتهاد والتحقيق والتدقيق في علم الرجال.

سند الزيارة ووثاقة الراوي موسى بن عمران

قدّمنا القول بضعف سندها بموسى بن عمران النخعي، ونحن نرى عدم صحة هذا الاعتراض، بل على العكس من ذلك لدينا قرائن عدّة تدل على وثاقته وجلالة قدره، نذكرها تباعًا:

الأول

موسى الراوي لأغلب روايات عمه النوفلي

أن عمه هو الحسين بن يزيد النوفلي، والنوفلي وثقه الشيخ الطوسي في العدة والسيد الخوئي وجماعة كثر غيرهما، لقول الشيخ الطوسي في العدة: [عملت الطائفة بروايات السكوني]([1])، والراوي لأغلب روايات السكوني هو الحسين بن يزيد النوفلي، فيقتضي ذلك توثيق الطائفة له، مضافًا لتعبير النجاشي بأن الحسين بن يزيد النوفلي: [نوفل النخع]([2]) أي وجيه قبيلة النخع، والموجه فيهم، أو الذي يذكر بالجميل والحسن. وقبيلة النخع من القبائل الشيعية الكبيرة في الكوفة، فمع هذا الوصف تظهر مكانة موسى بن عمران النخعي، حيث أن عمه هو النوفلي، بل وأستاذه، فقد روى عن عمه أكثر من مائتي رواية، مما يُظهر تتلمذه عليه، واختصاصه به. فضلاً عن روايته عن غيره فهو كثير الرواية في كتب الأصحاب المعتمدة.

الثاني

روايات النوفلي جلّها في المعارف

مضافًا إلى أن متون الروايات التي يرويها عن عمّه جلّها في المعارف، وهي صحيحة المضمون، مستقيمة المعنى، وفق أصول وقواعد معارف المذهب عند المتأخرين، بل إن جملة منها مما يدل على رِفعة مقامه وطول باعه في المعارف وتضلّعه فيها، مما يشفّ عن كونه من فرسان الميدان، وأوتاد الرواة، وحَمَلة هذه الأسرار، وسنذكر بعضها فقط، ونحيل القارئ إلى مصادر بعضها الآخر ليكتشف ذلك بنفسه.

بعض متون رواياته في المعارف:

( 1 ) روى محمد بن أبي عبد الله الأسدي الكوفي، عن موسى بن عمران، عن عمه الحسين بن يزيد النوفلي، عن الحسن بن علي بن أبي حمزة، حديث (تفسير قوله تعالى: {وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} -الزخرف:28- بالإمامة، جعلها الله عز وجل في عقب الحسين (عليه السلام) باقية إلى يوم القيامة).([3])

( 2 ) حدثنا علي بن أحمد بن موسى (رحمه الله) قال: حدثنا محمد بن أبي عبد الله الكوفي قال: حدثنا موسى بن عمران النخعي، عن عمه الحسين بن يزيد، عن علي بن أبي حمزة عن يحيى بن أبي القاسم قال:

(سألت الصادق جعفر بن محمد (عليهما السلام) عن قول الله عز وجل {ألم ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ} -البقرة، الآية 2و3- فقال: المتقون شيعة علي (عليه السلام) والغيب فهو الحجة الغائب. وشاهد ذلك قول الله عز وجل: {وَيَقُولُونَ لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلَّهِ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ} -يونس:20- فأخبر عز وجل أن الآية هي الغيب، والغيب هو الحجة، وتصديق ذلك قول الله عز وجل: {وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً} -المؤمنون:50- يعني حجة)([4]).

( 3) حدثنا الشيخ الفقيه أبو جعفر (رحمه الله) قال حدثنا محمد بن أحمد السناني قال حدثنا محمد بن أبي عبد الله الكوفي عن موسى بن عمران النخعي عن عمه الحسين بن يزيد النوفلي عن علي بن سالم عن أبيه عن ثابت بن دينار قال: (سألت زين العابدين علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب (عليهم السلام) عن الله جل جلاله هل يوصف بمكان؟

فقال: تعالى الله عن ذلك.

قلت: فلِمَ أسرى بنبيه محمد (صلى الله عليه وآله) إلى السماء؟

قال: ليريه ملكوت السماء وما فيها من عجائب صنعه وبدائع خلقه.

قلت فقول الله عز وجل {ثُمَّ دَنا فَتَدَلَّى فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى}.

قال: ذاك رسول الله (صلى الله عليه وآله)، دنا من حجب النور فرأى ملكوت السماوات ثم تدلى (صلى الله عليه وآله)، فنظر من تحته إلى ملكوت الأرض حتى ظن أنه في القرب من الأرض كقاب قوسين أو أدنى).([5])

( 4 ) حدثنا الشيخ الجليل أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين بن موسى ابن بابويه القمي (رضي الله عنه)، قال: حدثنا علي بن أحمد بن موسى الدقاق (رضي الله عنه)، قال: حدثنا محمد بن أبي عبد الله الكوفي، قال: حدثنا موسى بن عمران النخعي، عن عمه الحسين بن يزيد النوفلي، عن علي بن أبي حمزة، عن يحيى بن أبي إسحاق، عن الصادق جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جده، عن أبيه (عليهم السلام)، قال:

(سئل النبي (صلى الله عليه وآله): أين كنت وآدم في الجنة؟

قال: كنت في صلبه، وهبط بي إلى الأرض في صلبه، وركبت السفينة في صلب أبي نوح، وقذف بي في النار في صلب أبي إبراهيم، لم يلتق لي أبوان على سفاح قط، ولم يزل الله عز وجل ينقلني من الأصلاب الطيبة إلى الأرحام الطاهرة هاديًا مهديًا حتى أخذ الله بالنبوة عهدي، وبالإسلام ميثاقي، وبيَّن كل شيء من صفتي، وأثبت في التوراة والإنجيل ذكري، ورقى بي إلى سمائه، وشق لي اسمًا من أسمائه الحسنى، أمتي الحمادون، فذو العرش محمود وأنا محمد)([6]).

( 5 ) حدثنا علي بن أحمد بن محمد رضي الله عنه قال: حدثنا محمد بن أبي عبد الله الكوفي قال: حدثنا موسى بن عمران النخعي، عن عمه الحسين بن يزيد، عن الحسن بن علي بن أبي حمزة، عن أبيه قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام): (لأي علة دفنت فاطمة (عليها السلام) بالليل ولم تدفن بالنهار؟ قال: لأنها أوصت أن لا يصلي عليها الرجلان)([7]).

وغيرها من الروايات و هي دالة على روايته غوامض المعارف و لُبابها([8]).

الثالث

اعتماد الأعلام على رواياته

و قد اعتمد رواياته، - لا سيما في المعارف - أعلام الطائفة كالكليني في الكافي، والصدوق في "التوحيد وعيون أخبار الرضا"، وغيرهما، بل وقع في مشيخة الصدوق في أكثر من ثمانين موردًا.

 وقد روى عن:

1 - عمه الحسين بن يزيد النوفلي (ثقة).

2 - إبراهيم بن الحكم بن ظهير.

3 - الحسين بن سعيد الأهوازي (ثقة جليل).

4 - صفوان بن مهران الجمال (ثقة).

وروى عنه:

1 - محمد بن جعفر أبو عبد الله الكوفي الأسدي (ثقة)([9]).

2 - محمد بن يحيى العطار (ثقة).

3 - محمد بن موسى بن المتوكل (ثقة على الأصح).

4 - علي بن أحمد بن محمد بن عمران الدقاق (ترضى عليه الصدوق).

5 - علي بن عبد الله الوراق (ترضى عليه الصدوق).

6 - محمد بن أحمد السناني (ثقة).

يتبع =

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1. هذه المقالة هي من ضمن مجموعة من المحاضرات ألقاها سماحة آية الله المحقق الشيخ محمد سند في قم المقدسة.

[1]- عدة الأصول ج 1 ص 380.

[2]- رجال النجاشي ص 77.

[3] - المعاني ص 131 ـ 132.

[4]- كمال الدين وتمام النعمة ص 17.

[5]- علل الشرائع ج 1 ص 131 ـ 132، أمالي الصدوق ص 214.

[6]- أمالي الصدوق ص 723.

[7]- علل الشرائع ج 1 ص 185.

[8]- راجع: التوحيد ص 164؛ كمال الدين وتمام النعمة ص17- 257 - 258 -259 ؛ أمالي الصدوق ص 561 - 755 -768 - 375 - 560 -731 ؛ المعاني ص 131 - 132 ؛ من لا يحضره الفقيه ج 4 ص 179؛ البحار ج39 ص302.

[9]- قال الشيخ (ره) في الغيبة ص 415: "وقد كان في زمان السفراء المحمودين أقوام ثقات ترد عليهم التوقيعات من قبل المنصوبين للسفارة من الأصل. منهم أبو الحسين محمد بن جعفر الأسدي(ره)".

 

.

تتمة مقال - الزيارة الجامعة

الرابع

صحة سند الزيارة إليه

إن سند الزيارة الجامعة الكبيرة صحيح إلى موسى بن عمران، قال الصدوق (رحمه الله): حدثنا علي بن أحمد بن محمد بن عمران الدقاق رضي الله عنه ومحمد بن أحمد السناني وعلي بن عبد الله الورّاق والحسين بن إبراهيم بن أحمد بن هشام المؤدِّب قالوا: حدثنا محمد بن أبي عبد الله الكوفي وأبو الحسين الأسدي قالوا: حدثنا محمد بن إسماعيل المكي البرمكي قال: حدثنا موسى بن عمران النخعي..

الخامس

سؤاله للإمام الهادي (ع) وبيان الإمام له:

سؤاله للإمام الهادي (عليه السلام) بقوله: [علّمني يا بن رسول الله (ص) قولاً بليغًا كاملاً إذا زرت واحدًا منكم]، وجواب الإمام (عليه السلام) له ببيان هذا المتن الجليل، هو نفسه دليل على مكانته في معرفة مقامات الأئمة وأسرارهم، وبأن لهم شؤونًا متحدةً، ومقاماتٍ متبعةً، وأن نور الإمامة ومقام الخلافة شيء واحد، وذلك شبيه بمقالة العلماء في رواية عمر بن حنظلة.

السادس

توثيق الأعلام للنخعي واعتمادهم على الزيارة

قال المامقاني (قده) (المتوفى سنة 1351 هـ) فيه: [وفي روايته لها دلالة واضحة على كونه إماميًا صحيح الاعتقاد، بل في تلقين مولانا الهادي (عليه السلام) له مثل هذه الزيارة المفصّلة المتضمّنة لبيان مراتب الأئمة (عليهم السلام)، شهادة على كون الرجل من أهل العلم والفضل، فالرجل من الحسان مقبول الرواية وإهمالهم ذكره في كتب الرجال غير قادح فيه] ([1]).

ووثّقه السيد الخوئي (قده) (المتوفى سنة 1413 هـ) لروايته عن تفسير القمي([2]).

أقوال العلماء في سند ومتن الزيارة:

يقول المولى محمد تقي المجلسي (قده) في شرح الفقيه (المتوفى سنة 1070هـ): [والزيارات لأمير المؤمنين ولباقي الأئمة كثيرة... أحسنها الزيارة الجامعة التي سنذكرها مشروحة].([3])

وقال أيضًا: [وأنها أكمل الزيارات وأحسنها، بل بعد تلك الرؤيا أكثر الأوقات أزور الأئمة (عليهم السلام) بهذه الزيارة وفي العتبات العاليات ما زرتهم إلا بهذه الزيارة]([4]). وذلك بعد مكاشفته اللطيفة التي سنأتي على ذكرها في ختام البحث.

ويقول العلامة المجلسي (قده) (المتوفى سنة 1111 هـ): [إنّما هي أرقى الزّيارات الجامعة متنًا وسندًا وهي أفصحها وأبلغها].([5])

ويقول السيد عبد الله شبر (قده) (المتوفى سنة 1220هـ): [لا يخفى على أولي البصاير النقّادة، وأرباب الأذهان الوقّادة، وذوي العقول السليمة، وأصحاب الأفهام المستقيمة، أن الزيارة الجامعة الكبيرة أعظم الزيارات شأنًا، وأعلاها مكانة ومكانًا، وأن فصاحة ألفاظها وفقراتها وبلاغة مضامينها وعباراتها، تنادي بصدورها من عين صافية نبعت عن (ينابيع الوحي) والإلهام، وتدعو إلى أنها خرجت من ألسنة نواميس الدين ومعاقل الأنام، فإنها فوق كلام المخلوق وتحت كلام الخالق الملك العلام، قد اشتملت على الإشارة إلى جملة من الأدلة والبراهين المتعلقة بمعارف (أصول الدين) وأسرار الأئمة الطاهرين ومظاهر صفات (رب العالمين)، وقد احتوت على رياض نضرة وحدائق خضرة، مزينة بأزهار المعارف والحكمة، محفوفة بثمار أسرار أهل بيت العصمة، وقد تضمنت شطرًا وافرًا من حقوق أولي الأمر الذين أمر الله بطاعتهم، وأهل البيت الذين حثّ الله على متابعتهم، وذوي القربى الذين أمر الله بمودتهم، وأهل الذكر الذين أمر الله بمسألتهم، مع الإشارة إلى آيات فرقانية، وروايات نبوية، وأسرار إلهية، وعلوم غيبية، ومكاشفات حقية، وحكم ربانية...] إلى أن قال:[ إعلم أن هذه الزيارة قد رواها جملة من أساطين الدين، وحملة علوم الأئمة الطاهرين، وقد اشتهرت بين الشيعة الأبرار اشتهار الشمس في رابعة النهار، وجواهر مبانيها وأنوار معانيها دلائل حق وشواهد صدق على صدورها عن صدور حملة العلوم الربانية، وأرباب الأسرار الفرقانية، المخلوقين من الأنوار الإلهية، فهي كسائر كلامهم الذي يغني فصاحة مضمونه وبلاغة مشحونه عن ملاحظة سنده، كنهج البلاغة والصحيفة السجادية وأكثر الدعوات والمناجات].([6])

استدلال العلماء بالزيارة واستشهادهم بها:

ما فتئ العلماء يعتمدون على الاستشهاد بالزيارة الجامعة، ونذكر على سبيل المثال لا الحصر:

قال السيد شرف الدين الحسيني (قده) (المتوفى نحو سنة 965 هـ) في تأويل الآيات الواردة في سورة الغاشية {إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ}([7]).

[عن جميل بن دراج قال: قلت لأبي الحسن (عليه السلام): أحدِّثهم بتفسير جابر؟

قال: لا تحدِّث به السفلة فيذيعوه، أما تقرأ {إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ}؟

قلت: بلى.

قال: إذا كان يوم القيامة وجمع الله الأولين والآخرين، ولاّنا حساب شيعتنا، فما كان بينهم وبين الله حكمنا على الله فيه فأجاز حكومتنا، وما كان بينهم وبين الناس استوهبناه فوهبوه لنا، وما كان بيننا وبينهم فنحن أحق من عفا وصفح.

ويؤيد ذلك ما جاء في الزيارة الجامعة المروية عن الهادي (عليه السلام) وهو قوله: وإياب الخلق إليكم وحسابهم عليكم.

ومعنى هذا التأويل: الظاهر: أن الضمير في إلينا وعلينا راجع إلى الله تعالى.

وأما الباطن: فإنه راجع إليهم (صلوات الله عليهم)، وذلك لأنهم ولاة أمره ونهيه في الدنيا والآخرة، والأمر كله لله، فلمن شاء من خلقه جعله إليه، ولا شك أن رجوع الخلق يوم القيامة إليهم، وحسابهم عليهم، فيُدخلون وليَّهم الجنة، وعدوهم النار، كما ورد في كثير من الأخبار أن أمير المؤمنين (عليه السلام) قسيم الجنة والنار]([8]).

وقال السيد صدر الدين الطباطبائي (قده) (المتوفى سنة 1154هـ): [وقال (صلى الله عليه وآله): (أنا وعلي من شجرة واحدة، وسائر الناس من شجر شتى)... ولعل المعنى بالواحدة ليس المعنى الذي تفيده التاء بمعنى الوحدة الظاهرية التي مناطها التشخيص الوحداني بحسب الوجود العيني، بل الواحدة الذاتية الواقعية المعنوية، التي تشبه أن يكون مضمونه ما في الزيارة الجامعة عطفًا على ما عامله (أشهد) (وأن أرواحكم ونوركم وطينتكم واحدة طابت وطهرت بعضها من بعض) وعلى هذا قوله (عليه السلام): (شتى) وصف لشجرة باعتبار الكثرة المقابلة لهذا الوحدة فلا يضادّه التاء]([9]).

ويقول الشيخ الأنصاري (قده) (المتوفى سنة 1280هـ): [والكلام في الخوارج يظهر مما ذكرنا في الناصب فإنهم أشد النواصب، مضافا إلى إطلاق المشرك عليهم في بعض الأخبار، كما في قوله (عليه السلام) في خارجي دخل عليه (إنه مشرك والله)، وقوله (عليه السلام) في الزيارة الجامعة (ومن حاربكم مشرك) مع أن نجاستهم إجماعية]([10]).

وقال الملا هادي السبزواري (قده) (المتوفى سنة 1300هـ): [وقال (صلى الله عليه وآله): (أول ما خلق الله روحي أو عقلي أو نوري)، وقال (كنت نبيًا وآدم بين الماء والطين)، والمراد بالأبرار أصحاب اليمين، وبالأخيار المقربون، لكنهما كالظرف والمجرور، وكالفقير والمسكين، إذا اجتمعا افترقا، وإذا افترقا اجتمعا، فمن موارد الاجتماع مثل ما ههنا ما في الزيارة الجامعة الكبيرة (وأنتم نور الأخيار وهداة الأبرار)، وبمعناه أيضًا قولهم (حسنات الأبرار سيئات المقربين)...] ([11])

قال المولى محمد التبريزي الأنصاري (قده) (المتوفى سنة 1310هـ) في معنى تسمية الزهراء (عليها السلام) بالمشكاة، في تفسيره لآية النور: [.. والمشكاة هي فاطمة الزهراء (عليها السلام)، وهذا المصباح يوقد من شجرة الحقيقة المحمدية، وهي الزيتونة المباركة لبركة آثارها وعدم تناهي أطوارها، وفي الزيارة الجامعة: (السلام على محالّ معرفة الله، ومساكن بركة الله، ومعادن حكمة الله... إلخ). فهي مباركة لإفاضة جميع الفيوضات التشريعية والتكوينية منها، وهي الشجرة الكليّة النابتة في مقام (أو أدنى)، وبيداء الإبداع والاختراع، وصحراء المشيئة والإرادة، لتشعب وجوه تعلّقاتها بذرّات الوجود التي لا تتناهى في مراتب الإمكان شعوبًا وقبائل وهي أصل البركة وفرعها: (إن ذكر الخير كنتم أوله وآخره وأصله وفرعه)... إلخ]([12]).

ويقول المحقق الأصفهاني (قده) (المتوفى سنة 1360هـ): [إن إطاعتهم (عليهم السلام) في أوامرهم الشرعية إطاعة بالذات للآمر، وإطاعة بالعرض لمن جرى على لسانه أمره تعالى، والإطاعة التي تكون إطاعة لهم بالذات وتكون إطاعة له تعالى بالعرض - من حيث إنهم منسوبون إليه المدلول عليها بقوله (عليه السلام): (من أطاعكم فقد أطاع الله) - هي إطاعتهم في أوامرهم الشخصية، فالنبوة والإمامة حيثية تعليلية لوجوب إطاعة أوامرهم الشخصية، وما ورد في باب إطاعتهم (عليهم السلام) أولى بالشمول لمثل هذه الإطاعة من إطاعة أوامرهم الشرعية، فإنها إطاعة الأمر الإلهي بالحقيقة، ولزومها بديهي لا يحتاج إلى المبالغة في الإلزام بها كما لا يخفى]([13]).

وقال السيد الخوئي (قده) في معرض استدلاله على أن حرمة الغيبة مشروطة بالإيمان: [... ويدل عليه أيضًا قوله (عليه السلام) في الزيارة الجامعة: (ومن جحدكم كافر). وقوله (عليه السلام) فيها أيضًا: (ومن وحّده قَبِل عنكم). فإنه ينتج بعكس النقيض، أن من لم يقبل عنكم لم يوحّده بل هو مشرك بالله العظيم...]([14]).

و يقول (قده) أيضًا: [وقد ورد في الزيارة الجامعة: (ومن وحّده قبل عنكم) فإنه ينتج بعكس النقيض، أن من لم يقبل منهم فهو غير موحد لله سبحانه... والأخبار الواردة بهذا المضمون وإن كانت من الكثرة بمكان، إلا أنه لا دلالة لها على نجاسة المخالفين، إذ المراد فيها بالكفر ليس هو الكفر في مقابل الإسلام، وإنما هو في مقابل الإيمان كما أشرنا إليه سابقًا]([15]).

ويقول السيد الكلبايكاني (المتوفى سنة 1414 هـ): [وظاهرها كفرهم مطلقًا سواء كان عن علم أو عن جهل مركب. ومنها رواية الفضل قال: (دخل على أبي جعفر (عليه السلام) رجل محصور عظيم البطن، فجلس معه على سريره فحيّاه ورحب به، فلما قام قال: هذا من الخوارج كما هو، قال: قلت: مشرك؟ فقال: مشرك والله مشرك). والمراد من المشرك هو الكافر وقد مر ذلك الخبر في أوائل الكتاب. وفى الزيارة الجامعة: ومن حاربكم مشرك]([16]).

يتبع =

____________________


[1]- تنقيح المقال ج3 ص 257 ؛ ولاحظ أيضًا مستدركات علم الرجال للشيخ علي النمازي الشاهرودي، ط1، 1412هـ، مطبعة شفق، طهران، ج1 ص8..

[2]- معجم رجال الحديث ج 20 ص 66.

[3]- روضة المتقين ج5 ص424.

[4]- مفاتيح الجنان ص 626، روضة المتقين ج5 ص452

[5]- مفاتيح الجنان ص 626

[6]- الأنوار اللامعة في شرح الزيارة الجامعة ص 29 ـ 31.

[7] - سورة الغاشية آية 25-26

[8]- تأويل الآيات ج 2ص 788 ـ 789.

[9]- شرح دعاء الندبة ص 129.

[10]- كتاب الطهارة ج 2 ص 358.

[11]- شرح الأسماء الحسنى ج 1ص 203.

[12]- اللمعة البيضاء في شرح خطبة الزهراء ÷ ص 151 ـ 152، و كذلك استشهد بها ص 522.

[13]- حاشية المكاسب ج 2 ص 382.

[14]- مصباح الفقاهة ج 1 ص 504.

[15]- كتاب الطهارة ج 2 ص 84.

.

تتمة مقال - الزيارة الجامعة

قصة تبدي لزوم المواظبة على هذه الزيارة:

ومما يستأنس به ما نقله المحدّث النوري (قده) بسند صحيح،حيث قال:

[قدم النّجف الأشرف منذ سبع عشرة سنة تقريبًا التّقيّ الصّالح السّيد أحمد ابن السّيد هاشم ابن السّيد حسن الموسوي الرّشتي أيّده الله وهو من تجّار مدينة رشت، فزارني في بيتي بصحبة العالم الرّباني والفاضل الصّمداني الشّيخ علي الرّشتي].

إلى أن قال: [فلمّا نهضا للخروج نبّهني الشّيخ إلى أنّ السّيد أحمد من الصّلحاء المسدّدين ولمح إلى أنّ له قصّة غريبة].

ثم ذكر أنه صادف السيد ثانيًا في مدينة الكاظمين، فسأله عنها، فأخبره أنه قصد حج بيت الله الحرام سنة 1280، فسار مع القافلة، وفي بعض الطريق أظلم الجو وتساقط الثلج، وكان الوقت ليلاً، فلم يسعه اللحوق برفاقه، فقرّر الوقوف في مكانه حتى يطلع الفجر، وإذا بستان يبدو أمامه، فيه فلاح بيده مسحاة.

قال: [فدنا مني وسألني: من أنت؟ فأجبت: إني قد تخلفت عن الركب ولا أهتدي، فخاطبني بالفارسية قائلاً: عليك بالنافلة،...]

إلى قال: [فقال لي: أنا الآن ألحقك بالقافلة، فركب حمارًا وحمل المسحاة على عاتقه وقال لي: أردف لي على ظهر الحمار، فردفت له، ثم سحبت عنان فرسي فقاومني ولم يجرِ معي، فقال صاحبي: ناولني العنان. فناولته إيّاه، فأخذ العنان بيمينه ووضع المسحاة على عاتقه الأيسر وأخذ في المسير فطاوعه الفرس أيسر المطاوعة، ثمّ وضع يده على ركبتي وقال: لماذا لا تؤدّون صلاة النّافلة، النّافلة، النّافلة، قالها ثلاث مرّات، ثمّ قال أيضًا: لماذا تتركون زيارة عاشوراء زيارة عاشوراء زيارة عاشوراء كرّرها ثلاث مرّات، ثمّ قال: لماذا لا تزورون بالزّيارة الجامعة الكبيرة، الجامعة، الجامعة، الجامعة...].

إلى أن قال: [فنظرت إلى الوراء فلم أجد أحدًا ولم أعثر على أثر يدل عليه، فالتحقت بأصدقائي]([17]).

مكاشفة للمجلسي الأول:

ومما يسـتأنس به أيضًا ما ذكره المولى محمد تقي المجلسي (قده) في روضة المتقين:

[ولما وفقني الله تعالى لزيارة أمير المؤمنين (عليه السلام) وشرعت في حوالي الروضة المقدسة في المجاهدات وفتح الله تعالى علي ببركة مولانا (عليه السلام) أبواب المكاشفات التي لا يحتملها العقول الضعيفة رأيت في ذلك العالم (و إن شئت قلت بين النوم واليقظة) عندما كنت في رواق عمران جالسا إني بسر من رأى (سامراء)، ورأيت مشهدهما في نهاية الارتفاع والزينة، ورأيت على قبرهما لباسا أخضر من لباس الجنة؛ لأنه لم أر مثله في الدنيا، ورأيت مولانا ومولى الأنام صاحب العصر والزمان (عليه السلام) جالسا، ظهره على القبر ووجهه إلى الباب فلما رأيته شرعت في هذه الزيارة بالصوت المرتفع كالمداحين فلما أتممتها، قال (عليه السلام): نعمت الزيارة.

قلت‏: مولاي روحي فداك زيارة جدك؟ (و أشرت نحو القبر). فقال: نعم، ادخل.

فلما دخلت وقفت قريبًا من الباب. فقال (عليه السلام): تقدّم.

فقلت: مولاي أخاف أن أصير كافرا بترك الأدب. فقال (عليه السلام): لا بأس إذا كان بإذننا.

فتقدمت قليلا وكنت خائفا مرتعشا، فقال: تقدم.. تقدم، حتى صرت قريبًا منه (عليه السلام). قال: اجلس. قلت: أخاف مولاي. قال (عليه السلام): لا تخف.

فلما جلست جلسة العبيد بين يدي المولى الجليل، قال (عليه السلام): استرح واجلس مربعا، فإنك تعبت، جئت ماشيا حافيا.

والحاصل أنه وقع منه (عليه السلام) بالنسبة إلى عبده ألطاف عظيمة ومكالمات لطيفة لا يمكن عدها ونسيت أكثرها.

ثمَّ انتبهت من تلك الرؤيا، وحصل في اليوم أسباب الزيارة بعد كون الطريق مسدودة في مدة طويلة، وبعد ما حصل، الموانع العظيمة ارتفعت بفضل الله وتيسرت الزيارة بالمشي والحفا، كما قاله الصاحب (عليه السلام).

وكنت ليلة في الروضة المقدسة وزرت مكررا بهذه الزيارة، وظهر في الطريق وفي الروضة كرامات عجيبة بل معجزات غريبة يطول ذكرها، فالحاصل أنه لا شك لي أن هذه الزيارة من أبي الحسن الهادي (عليه السلام) - بتقرير الصاحب (عليه السلام) - وأنها أكمل الزيارات وأحسنها بل بعد تلك الرؤيا أكثر الأوقات أزور الأئمة (عليهم السلام) بهذه الزيارة وفي العتبات العاليات ما زرتهم إلا بهذه الزيارة].([18])

الزيارة الجامعة الكاملة:

ثم أن هذه الزيارة العظيمة لها صورة أخرى أطول، بطريق آخر غير الطريق الذي رواه الصدوق و الشيخ رحمهما الله. وقد روى تلك الصورة المطولة الكفعمي (رحمه الله) في البلد الأمين([19]) والميرزا النوري (رحمه الله) في المستدرك في أبواب الزيارات([20]). و قد روى المجلسي (رحمه الله) الزيادات في زيارات جامعة أخرى.

بل قد ألّف الميرزا النوري (قده) كتابًا خاصًا بالزيارة الجامعة الكاملة، و قد طبع في تبريز سنة 1315 هـ ([21]).

و أورد الشيخ عباس القمي (رحمه الله) متن الزيارة الكاملة في ما تممه من كتاب ( تحية الزائر ) للميرزا النوري([22]).

انتهى المقال

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[17]- النجم الثاقب ج2 ص273، مفاتيح الجنان ص 626-628.

[18]- روضة المتقين ج5 ص452.

[19]- البلد الأمين ص 418.

[20]- المستدرك - باب نوادر ما يتعلق بأبواب المزار ج 10 ص 416.

[21]- الذريعة إلى تصانيف الشيعة ج 12 ص 79.

[22]- المصدر السابق: ج 3 ص 488.

 

115%